مقالات

الفخر بالأنذال

مقال : فواز المالحي

يعجبك فعل الشهامة من أي شخص وتشعر أنها خصلة رطبة وحميده ، ولكنها صدرت من النذل الرعديد من أجل تكوين ذاته وتحقيق حضوره الغير مستفاد منه في أي شأن آخر . ولاتصل شهامته إلى جار بيته أو أحد آواصره وذويه .

يحرص هذا النموذج على الترويج لنفسه في مجتمعاتٍ بعيدة عمّن يعرفون حقيقته، فيقدّم ذاته على أنّه كريم، متنوّر، داعية سلام، ومؤمن بالمشاركة والفداء من أجل الآخرين. ويُسرف في سرد بطولاتٍ وهمية، يصوغها في قالب الذكريات، ويمنحها حجمًا أكبر من واقعها، مستثمرًا في حسن الظن وسطحية التلقّي.

غير أنّ هذه الصورة المصنوعة لا تصمد طويلًا أمام الوعي والفطنة؛ فسرعان ما يكتشفه الأذكياء، فيعيدون حساباتهم في التعامل معه، وينأون عنه بأسلوبٍ مهذّب، إدراكًا منهم أنّ القيم لا تُقاس بالشعارات، ولا تُثبت بالخُطب، بل بالأفعال الصادقة والمواقف المتسقة.

وفي نهاية المطاف، لا يبقى لهذا النذل سوى دائرةٍ ضيّقة ممن يصدّقون أكاذيبه، ويخلطون بين الادّعاء والفضيلة، حتى تُقنعهم النذالة بأنها فخر، ويُسوَّق الزيف على أنه شهامة. وهنا تتجلّى خطورة الخلط بين القيم الحقيقية وصورها المزوّرة، حين يصبح الصوت العالي بديلًا عن الخُلُق، والاستعراض عوضًا عن الفعل.

فالشهامة لا تُعلن، بل تُمارس، ولا تُستعار، بل تُعرف في المواقف القريبة قبل البعيدة، وفي الصمت قبل الخطاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com