مقالات

هل العامية في السرد تعكس ضعفًا؟

صفاء الأحمد  (*)   

لطالما شكّلت اللغة العربية الفصحى الركيزة الأساسية للسرد العربي، لما فيها من نقاء وجمال وقدرة على حمل الصور الأدبية والتراكيب البلاغية، وإثارة التأمل العقلي والعاطفي عند القارئ.
ومع ذلك، شهد السرد العربي الحديث ميلًا متزايدًا نحو استخدام العامية، خصوصًا في الرواية والقصة القصيرة، كسعي لتقريب النص من القارئ، وإضفاء طابع الواقعية على الحوار والشخصيات.

تؤثر لغة النص مباشرة على تجربة القارئ. فالعامية تمنح شعورًا بالألفة والحميمية، إذ يستجيب الدماغ للكلمات المألوفة بسرعة، فيتولد لدى القارئ الاندماج العاطفي الفوري مع الشخصيات والأحداث.
أما الفصحى، فتدفع القارئ إلى التأمل والانتباه للتفاصيل اللغوية والجمالية، ما ينشط مناطق التفكير التحليلي في الدماغ ويمنح النص قيمة معرفية وجمالية أعمق.
نتساءل أحيانًا:
هل استخدام العامية يعكس ضعفًا في المخزون اللغوي للكاتب؟ أم هو هروب من صبغ النصوص بطابع فصيح لتفادي فخ البلاغة اللغوية؟
هل هو مجرد ستار على ضعف الكاتب؟ أم هدفه الفعلي تقريب القارئ وجدانيًا من النص؟

برأيي، كلما كان النص أكثر صرامة وجرأة في استخدام الفصحى، نجح أكثر.
لأن الفصحى تمنح النص هيكله وجماله، بينما العامية المفرطة قد تفسد النصوص وتحول التركيز من العمق الأدبي إلى لهجة الحياة اليومية فقط.

بعض تجارب كتاب عرب توضح هذا التوازن:
الكتاب المصريون مثل يوسف السباعي ونجيب محفوظ، نجحوا في دمج العامية بسلاسة مع الفصحى، بما منح نصوصهم روحًا محلية وواقعية، دون أن يضعف وضوح النص للقارئ العربي خارج مصر.
مزج السباعي بين الفصحى واللهجة المصرية ليحافظ على الاندماج العاطفي، بينما حافظ محفوظ على السرد الفصيح، مستخدمًا العامية فقط في الحوار لتعميق الشخصيات.

توفيق الحكيم وطه حسين تمسكا بالفصحى في السرد، مستخدمين العامية بشكل محدود وهادف، مؤكدين أن الفصحى هي العمود الفقري للنص.
أما الكتاب غير المصريين، مثل جبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني من فلسطين واللبناني إلياس أبو شبكة، استخدموا العامية في الحوار، لإضفاء مصداقية وجدانية، بينما ظل السرد فصيحًا لضمان وضوح النص للقراء العرب الآخرين.

يمكن ملاحظة أن الكتاب المصريين لديهم قدرة أكبر على مزج الفصحى والعامية في النص السردي نفسه، أما غير المصريين يستخدمون العامية وظيفيًا بشكل محدود، غالبًا للحوار فقط، لضمان التوازن بين الواقعية والوضوح العربي العام.

من جهة أخرى، يختلف القبول الثقافي للعامية باختلاف نوع النص؛ الحكاية الشعبية مثلًا، تُروى شفهيًا وتنتقل بين الأجيال، لكنها لا تخلد نصيًا كما تفعل الرواية أو القصة أو حتى الشعر الفصيح.
وغالبًا ما تتعرض للتحوير عبر الزمن، كما في حكاية (أبو رجل مسلوخة) التي تتكرر في أساطير مختلفة في كل دولة، باللهجة المحلية مع الحفاظ على القالب العام فقط.
وبالمثل، الشعر العامي مقبول وله جمهوره، لكنه نادرًا ما يدوم؛ هل سمعت عن قصيدة عامية عمرها مئة عام ما زالت محفوظة كما كتبت؟
نادر جدًا، لأن قوة اللغة الفصيحة وحدها هي التي تمنح النص خلودًا وعمقًا.

في المحصلة، العامية في السرد العربي تمنح النص قوة تواصل مع القارئ المحلي، وعمقًا وجدانيًا فوريًا، وتحديًا في الوصول للقارئ العربي الأوسع.
لكنها تتطلب وعيًا لغويًا ونفسيًا، بحيث تحافظ على اندماج القارئ دون التضحية بجمال النص وعمقه الأدبي.

وفي نهاية المطاف، النصوص الأكثر فصاحة وصدقًا هي التي تخلد، لأنها تعتمد على قوة اللغة العربية الفصيحة، وليس على لهجة الحياة اليومية فقط.

………

(*)  كاتبة وأديبة أردنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com