مقالات

العامية في السرد حين توظف بوعي

مرفت أبو العينين (*)

تُثار بين الحين والآخر إشكالية توظيف العامية في النصوص الأدبية، وغالبًا ما يُنظر إليها بوصفها تهديدًا لجمالية اللغة أو خروجًا عن رصانتها. غير أن هذا التصور يغفل حقيقة جوهرية، وهي أن اللغة في الأدب ليست غاية في ذاتها، بل أداة تعبير تتشكل وفق السياق والشخصيات والمقامات الشعورية، تمامًا كما تتشكل نبرة الصوت وتعابير الوجه في الحياة اليومية.

فالإنسان لا يتكلم دائمًا بالوتيرة نفسها ولا بالمفردات ذاتها. تتبدل لغته بتبدّل حالاته النفسية والاجتماعية؛ في الغضب تتسارع وتحتد، وفي الحميمية تقترب وتلين، وفي مقام الحكمة تتأنّى وتترسخ. ومن هنا، يصبح تنويع الخطاب اللغوي داخل السرد انعكاسًا طبيعيًا لتعقيد التجربة الإنسانية، لا خروجًا عنها. فالشخصية التي تتحدث بلهجة واحدة في جميع الظروف تفقد مصداقيتها، وتتحول إلى صوت كاتب لا إلى كائن حي داخل النص.

تأتي العامية، حين تُوظَّف بوعي، بوصفها جزءًا من هذا التنويع، لا نقيضًا للفصحى. فهي تمنح الحوار صدقيته، وتُجذّر الشخصيات في بيئاتها الاجتماعية، وتقرّب القارئ من تفاصيل المشهد دون أن تُسقط النص في الابتذال. فعندما نقرأ حوارًا بين أم وابنها في لحظة خوف أو عتاب، قد تبدو الفصحى المصفّاة حاجزًا شعوريًا، بينما تسمح العامية بتسريب الانفعال كما هو، بلا تزويق أو تكلّف.

في كثير من الأعمال السردية، نجد أن الفصحى تؤدي دور السارد أو التأمل الداخلي، بينما تتقدم العامية في لحظات المواجهة أو الانكسار أو السخرية. هذا التداخل لا يضعف النص، بل يثريه، لأنه يخلق طبقات صوتية متعددة تعكس تعدد الوعي داخل العمل الواحد. فالشخصية قد تفكر بالفصحى، لكنها تنفجر بالعامية، وقد تحكي عن ذاتها بلغة رصينة، لكنها تعيش لحظتها بلغة الشارع أو البيت.

غير أن هذا التوظيف يظل مشروطًا بوعي الكاتب. فكما أن الإفراط في الفصحى قد يقود إلى تصنّع لغوي وانفصال عن الواقع، فإن الاستخدام غير المنضبط للعامية قد يفضي إلى فوضى تُضعف البناء الجمالي للنص.

العامية ليست حشوًا ولا استسهالًا، بل اختيار دقيق، يُقاس بمدى خدمته للشخصية والمشهد، لا بمدى قربه من التداول اليومي.

اللغة في النص الأدبي ليست هوية ثابتة، بل حركة مستمرة بين الداخل والخارج، بين ما يُقال وما يُكتم، بين الرسمي والحميمي. وحين ينجح الكاتب في إدارة هذا التوتر اللغوي بوعي، تتحول اللغة من مجرد حامل للمعنى إلى عنصر فاعل في تشكيل التجربة القرائية، فتغدو العامية، لا عبئًا على النص، بل إحدى مفاتيحه الجمالية الممكنة.

 ……….

(*) كاتبة وأديبة

@ mervat_abu_alenain

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com