من يحق له أن يكون مديرًا؟

فواز المالحي
لم تعد مشكلة المؤسسات في نقص الكفاءات بقدر ما أصبحت في سوء اختيار القيادات. فكم من بيئة عمل انهارت، وكم من طاقات أُهدرت، لا بسبب ضعف الأنظمة، بل بسبب مدير غير مؤهل لقيادة البشر قبل إدارة الملفات.
من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إنشاء جهة إدارية تحكيمية مستقلة، تكون المرجع الوحيد لاعتماد شاغلي المناصب الإدارية القيادية، بحيث لا يحق لأي جهة خاصة أو حكومية أو شبه حكومية تعيين أو ترقية أي موظف إلى وظيفة مدير — بالمعنى الكامل للكلمة — إلا بعد اجتياز معايير واختبارات مهنية موحّدة.
فالمدير ليس مسمّى وظيفيًا، ولا مكافأة نهاية اجتهاد، ولا محطة ترقية تلقائية، بل هو شخص تُسلَّم له مسؤولية بشرية مباشرة، ويُمنح سلطة تؤثر في الاستقرار النفسي، والإنتاجية، والعدالة، ومستقبل موظفين آخرين. وأي خطأ في هذا الاختيار لا ينعكس على الفرد فقط، بل يمتد أثره إلى المؤسسة كاملة.
إن هذه الجهة التحكيمية يفترض أن تعتمد اختبارات دقيقة تشمل:
الحالة النفسية، والسمات الشخصية، والكفاءة المهنية، والمهارات الاتصالية، والسلوك الإداري، والقدرة على اتخاذ القرار، وإدارة النزاعات، واحترام القيم الوظيفية. إضافة إلى محددات أخرى يضعها خبراء الإدارة وعلم النفس والموارد البشرية، بعيدًا عن الأهواء والعلاقات الشخصية.
فكم من مدير يملك الخبرة الفنية لكنه يفتقد الذكاء العاطفي؟
وكم من قائد يتقن الحديث لكنه عاجز عن الاستماع؟
وكم من مسؤول حوّل بيئة العمل إلى مساحة توتر وإحباط لأنه لم يُختبر أصلًا على مستوى الشخصية والسلوك؟
إن اعتماد جهة مستقلة لاختيار القيادات الإدارية ليس ترفًا تنظيميًا، بل خطوة إصلاحية حقيقية، تعيد الاعتبار لمفهوم الإدارة بوصفها علمًا ومسؤولية، لا نفوذًا أو وجاهة. وهي رسالة واضحة بأن الإنسان في بيئة العمل ليس رقمًا، وأن القيادة لا تُمنح إلا لمن يستحقها فعلًا.
فالإدارة الجيدة تُبنى بالاختيار الصحيح، والاختيار الصحيح لا يكون إلا بالتحكيم المهني العادل.



