حين رقصت الأميرة السمراء

بخيت طالع الزهراني
في زمنٍ صارت فيه كرة القدم لغةً كونية تتجاوز الجغرافيا، جاءت كأس أمم أفريقيا 2025 لتُحدث صدىً عالميًا فاق حدود القارة التي طالما وُضعت – ظلمًا – في الهوامش، فإذا بها تقدّم للعالم كرةً معجونة بالفن، مشبعة بالعاطفة، ومثقلة بالمعنى.
لم تكن أفريقيا، إلا الأميرة السمراء الفاتنة، حضور طاغٍ في قلب الحدث، صاغت دهشتها من نبض الشارع، وفرضت ايقاعها واسمها بلغة لا تحتاج إلى ترجمة.
مخطئٌ من ظنَّ البطولةَ مجردَ ركضٍ خلفَ الكرة،
ومحقٌّ من رآها عالمًا حيًّا مليئًا بالقصص …
حيث كشفت ثاني قارات العالم عن فسيفساء حياتها المتنوعة: لغاتٍ مختلفة، ولهجاتٍ متباينة، وسحناتٍ متنوعة، وتفاصيلَ عجيبةً بين الأزقة المتعبة ونيون الواجهات الضاجّة.
لتروي حكاياتها بين الفرح والبؤس، وبين الألم والسمو.
وجاءت (الحفلة) نصًا إنسانيًا مفتوحًا بحكاياته الكثيرة؛ لاعب خرج من مسارب الفقر ليصير رمزًا وطنيًا، جماهير قطعت أرجاء القارة لتقول إن الانتماء لا يُقاس بالمسافة، مدرب بكى لأنه رأى في لاعبيه أبناءً قبل أن يكونوا أسماء.
المنتخب المغربي كان المرشح للقب. لذلك لم يكن غريبًا أن يتقدّم في التصنيف العالمي إلى المركز الـ8، متصدرًا القارة رقميًا، حتى وهو يودّع الكأس بخسارة لحظة خاطفة ما كان يجب أن تكون. في المقابل، تُوّج السنغال بالبطولة، لكن ترتيبه استقر عند المركز الـ12 عالميًا، في مفارقة تؤكد أن الألقاب لا تحكي القصة كاملة.
اللحظة الدراماتيكية التي صنعت مجد “أسود التيرانغا” لم تأتِ دون صخب وتوتر؛ احتجاجٌ على ركلة جزاء راوها ظلمًا تحكيميًا فاضحًا، كادت أن تطيش بالبطولة، قبل أن يتدخل الحكيم ساديو، ويتعملق ميندي فيصد رصاصة المغرب القاتلة، ليعيد منتخب بلاده من الموت، ويصبح ليس مجرد حارسًا متوَّجًا بالقفاز، بل الحارس الخالد في الذاكرة.
إنها إفريقيا القارة الولّادة، الحبلى بالمبدعين، ضخت للملاعب أسماءً أسطورية صنعت تاريخ اللعبة نفسها؛ زين الدين زيدان بعبقريته القادمة من الجذور، كريم بنزيما الذي بلغ قمة المجد العالمي، وجورج وياه الذي كسر كل الصور النمطية حين تُوّج بالكرة الذهبية
بينما المناسبة الأخيرة، قدمت نجومها الجدد؛ أوسيمين بقوة الحلم النيجيري، محمد صلاح كأيقونة عالمية لا تغيب، ساديو ماني بصفته قائدًا أخلاقيًا قبل أن يكون هدافًا، أشرف حكيمي كعنوان للحداثة الكروية، ورياض محرز الذي يكتب اسمه بحبر المهارة.
قارة عجيبة، وبطولةُ جاءت أكثر دهشة من بطولتي أوروبا وآسيا معًا، حيث اجتمع فيها ضجيج الملاعب مع الفيوضات الثقافية في آن.
الأميرة السمراء رقصت للتاريخ، وتمايل معها العالم على إيقاعات «الزاولي»، و«الإسكيستا»، و«التاسكيوين»؛ في مشهدٍ امتزج فيه عرقُ الكفاح بعبق الجغرافيا.
لوحةٍ إنسانيةٍ عابرةٍ للقارات، صفق لها الناسُ، اعترافاً بما عاشوه من فن وإلهام.



