
فواز المالحي
وأنت تتابع فيلماً عربياً أو مسلسلاً قديماً، قد تستوقفك عبارات تدعو للتأمل، خاصة حينما يتشاءم أبطال تلك الحقبة من أيامهم التي يعيشونها، فتجدهم يذمون جيلاً أو سلوكاً بعبارة (هذه الأيام!)؛ كقولهم: (هذه الأيام.. أين الأمانة؟)، أو (في هذه الأيام انعدم الاحترام)، و(هذه الأيام.. من يخاف الله؟).
إن الثابت تاريخياً أن كل جيل ينكر الوقت الذي يعيشه. واليوم، ونحن في الألفية الجديدة، نرى من يصف جيلنا الرقمي بأنه غريب أو سيئ، ويحمل سلوكيات وصفات شاذة، وفي الواقع، هذا ليس صحيحاً بالكلية. فنحن أمام جيل محترم يمتلك وعياً كبيراً؛ فبرغم أنه قد لا يكون قارئاً نهماً أو صاحب تجارب اجتماعية ميدانية واسعة، إلا أنه جيل يفوق بمراحل ثقافة ودراية “القارئ التقليدي”، كونه مشاهداً متميزاً ومتلقياً ذكياً، عاصر مختلف التجارب والحالات الاجتماعية عبر الشاشات والحسابات الرقمية.
نحن أمام جيل ذكي، مرن، يمتلك قابلية عالية للتغيير، ومؤمن بالتجربة. هو جيل لا يحتاج إلى تلقين الدروس المستفادة، فقد شاهدها، وسمعها، وخبرها افتراضياً. نرى اليوم طفل الخمس سنوات يتحدث بطلاقة وبعبارات جزلة استقاها من (يوتيوب)، ويمتلك أفكاراً وتطلعات يريد تنفيذها بعد أن أبهرته على منصة (تيك توك). هو جيل يدرك أضرار الأشياء قبل تجربتها؛ لأنه شاهد مئات القصص والحالات عبر مقاطع الفيديو القصيرة في (إنستغرام) و(يوتيوب).
لذا، يمكننا القول إننا في “هذه الأيام” نعيش مع جيل مميز وممتاز، يمتلك مهارات وفهماً وإدراكاً قد يعجز بعض الآباء والأمهات أو المربين عن مجاراته أو التعامل معه. من هنا تنبع الشكاوى المتكررة ضده، بأنه جيل غريب ذو قرارات وأفكار لا تناسبنا. والحقيقة أننا نحن من نسير ببطء في محاولة استيعاب متطلباته؛ لأن ثقافتنا لا تزال ترتكن إلى التجارب العملية التقليدية، في حين تجاوز الجيل الجديد ذلك عبر “التجارب الافتراضية”.
وللمقارنة؛ فإن الفرق بيننا وبينهم يشبه الفرق بين من يقضي ثلاثة أشهر في دورة تدريبية، بين ذهاب وإياب وحصص دراسية، وبين من ينجز الدورة ذاتها في ثلاثة أيام بنظام (التعليم عن بُعد). إنه جيل اختصر الزمن، وبات لزاماً علينا فهمه بدلاً من لومه.


