مقالات

الضحك الأبيض والضحك الأسود

بقلم: محمد بن ربيع

قرأت هذا الرجز الجميل للأديب والناشط الثقافي حامد العباسي الزهراني ، قدم له قائلاً: قصيدة فكاهية على بحر الرجز بسبب العمليات الطبية المتكررة التي جعلت إحدى عينيَّ لا تبصر، والأخرى تنزف!
(تلخبستْ).. (تلخبست)
أظنها: (تلخبست)
أنظر.. لقد (تلخبست)
لاشك.. قد (تلخبست)
!
……
ماحلّها.. كما ترى ؟
يا أيها (المدكترا) !
يقرعها (تراكتورا)
والعين قد (تلخبست) !
….
قد أُشبعتْ بالإبرِ
وكيّها بالليزر
ومشرطٍ كالخنجر
لكنها.. (تلخبست) !
….
فالنار في الشبكية
رمضاء في القرنية
جحيمها.. قزحية
ومخرز الحدقية..
أنظر.. لقد (تلخبست) !
….
مياهها بيضاءُ
وأختها الزرقاءُ
لا أقصد (الزرقاءَ)
تلك التي رواها
أهل القصص والأدبِ
وبالغوا في الوصفِ
فهمت؟
قد.. (تلخبست) !
….
وصفتَ لي قطراتٍ
قد أخفت العبرات
بها أكملتْ شتاتي
ما الحل ؟
قد (تلخبست) !
……
وقلت: أن السكري
في مظهري ومخبري
هو البلاء فاحذر
لكنها (تلخبست) !
…..
أشكو لذي الجلال
مَن علمُه بحالي
كذا.. له مآلي
فالعين قد (تلخبست) !
……
(تلخبست).. (تلخبست)
أظنها (تلخبست)
أنظر.. لقد (تلخبست)
العين.. قد (تلخبست) !.

كلمة “تلخبست” في هذا النص هي محور ارتكازه، وهي كلمة من المتداول المحكي بين الناس في ديارنا وخاصة عند قبائل غامد وزهران وبني عمر ولا أدري عن تداولها في جنوب الباحة عند قبائل بني ميمون.

الكلمة جاءت من ” اللخبسة” وهي دالة بصرية (VISUAL SIGN) تفيد حالة اضطراب في الابصار، أو في الصورة كما تصل للعين، وغالبا ما ترد هذه العبارة في حالات العتاب اللطيف والشكوى الودية، وهذا حالها في نص الأستاذ والصديق والقريب حامد العباسي.

لم تأت هذه المفردة العامية في قصيدة حامد العباسي بوصفها زينة لغوية أو خيارًا إيقاعيًا فحسب، بل تؤدي وظيفة معرفية دقيقة، تتجلى بوضوح في مركزية كلمة «تلخبست». فهذه المفردة المحلية، المتداولة في عامية منطقة الباحة، لا تحيل إلى فقدان البصر، ولا إلى العمى الكامل، وإنما تصف حالة مركبة من اختلال نظام الرؤية، حيث تبقى العين مبصرة، لكن الصورة تصل مشوشة، مضطربة، فاقدة لترتيبها الطبيعي. بهذا المعنى، تتحول «تلخبست» إلى مصطلح شعري–إدراكي يعجز المقابل الفصيح عن الإحاطة بدقته الدلالية دون شرح أو تطويل.

ويعزز الشاعر من هذه الوظيفة المعرفية عبر تكرار الكلمة بوصفها لازمة إيقاعية ودلالية في آن، بحيث يغدو التكرار نفسه تمثيلاً لتكرار التجربة الطبية ؛ فكل تدخل علاجي – الإبر، الليزر، المشرط، القطرات – ينتهي إلى النتيجة ذاتها: اضطراب الرؤية لا زوالها. هنا لا يؤدي التكرار وظيفة زخرفية، بل يؤسس منطقًا تجريبيًا داخل النص، قوامه المحاولة والنتيجة، السبب والأثر. كما أن المفارقة الساخرة التي تحيط بالكلمة لا تلغي عمق الألم، بل تكشفه عبر ضحكٍ أسود يخفف من فداحته دون أن ينكره.

بهذا الاستخدام، تنتمي القصيدة إلى تقليد عربي وظّف العامية باعتبارها لغة كشف ومعرفة، لا لغة تلطيف أو تسلية، حيث تصبح المفردة المحلية حاملة لتجربة حسية ووجودية لا يمكن نقلها إلى الفصحى دون فقدان جوهرها. إن «تلخبست» هنا لا تسمّي حالة بصرية فحسب، بل تمنح النص بعده الإنساني والبلاغي معًا.

أحتفي كثيرا بما يكتب الزميل حامد، وأحتفي أيضا بالباحثين في ركام عاميتنا عن كلمات تقدر أكثر من غيرها أن تؤدي وظيف مفردة قدمت نفسها للقارئ كلازمة موسيقية وكوسم دلالي، ضمن نص لا يضحك من المرض بل يضحك عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com