مقالات

سادن الريشتين

محمد بن ربيع الغامدي

الرجال الأفذاذ هم من الهبات العظيمة التي يمنحها الله للمجتمعات، في حقب تاريخية يحتاجهم فيها الناس لمزيد من النور. وكذلك كان الصديق الراحل سالم بن أحمد شهوان الزهراني “رحمه الله” شهابا مرّ على منطقة الباحة، أضاء الدنيا من حوله ثم مضى.

عرفته – أول ما عرفته- مهتما بالنشاطات الركحية في المدارس، من تمثيليات وأناشيد وحلبات إلقاء وموروثات شعبية، وكنت وزميلي في توجيه التربية المسرحية بمنطقة الباحة التعليمية نتمناه ثالثا معنا في القسم لبروزه في تلك الأنشطة ولعمق اهتمامه بها. كان زميلي ذاك الأستاذ وجدي حسن محمود متخصصا في الإخراج المسرحي وكان يرى فيه إضافة مهمة للقسم.

ثم عرفته رئيسا لنادي زهران الرياضي (نادي العين حاليا) ، وكانت الأندية الرياضية – وخاصة في الأرياف –  تعطي للمناشط الثقافية حيّزا كبيرا من اهتمامها، أكبر مما هو في المدن الكبيرة عبر أنديتها الكبرى. وكانت الوسائط الثقافية في المنطقة محدودة جدا، الإذاعة فقط. أما الصحف فكانت غير منتظمة والتلفزيون لم يصل بعد، والمكتبات العامة مكتبة واحدة في مركز المنطقة، وإن كانت هناك بيوتات محدودة لها مكتباتها الخاصة. ولم يكن هناك نادٍ أدبي ولا جمعية للثقافة والفنون كما في مناطق أخرى بل ولم يكن هناك مكتب للرئاسة العامة لرعاية الشباب فكانت منطقة الباحة تابعة للمكتب الرئيس في مدينة الطائف.

في هذه الظروف كانت الأندية الرياضية ملاذا للفن وللثقافة. نادي غامد في بلجرشي (الحجاز حاليا) ونادي السراة في رغدان (الباحة حاليا) ونادي زهران في الأطاولة (العين حاليا)  وكان المرحوم سالم بن أحمد شهوان الزهراني رئيسا لنادي زهران، مهندسا لنشاطاته الثقافية، بل وله اليد الطولى في تنفيذ البرامج المشتركة مثل (البرامج التوعوية) التي استجدت بعد افتتاح مكتب رئيس لرعاية الشباب بمنطقة الباحة.

كان المرحوم سالم شهوان فنانا أصيلا، وكنت أسمية سلطان الريشتين، ريشة العود وريشة الرسم وكم زين المهرجانات بعزفه على آلة العود وكم أعطى لها من جمال فاتن، وكم أضاف لها من قيمة ثقافية. وعندما أراد تلفزيون الباحة – حديث النشأة يومها – أن ينتج حلقتين يسهم بهما في برامج الأطفال عبر القناة الأولى، كان سالم يصنع ألحانها ويدرب عليها. كتبت لهم: “الباحة بتحييكم وبتاخذكم بالأحضان” فقام بتلحينها وتدريب الأطفال عليها لتكون مقدمة للحلقتين.

في تلك الأيام أعلنت الرئاسة العامة لرعاية الشباب (وكانت معنية بالأندية الرياضية وبيوت الشباب والأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون) أعلنت عن مسابقة في الفنون الشعبية الحركية، ولقد فاز نادي زهران بالمركز الأول على مستوى منطقة الباحة، وتم تصعيدها إلى الرياض لتفوز وتمثل المملكة العربية السعودية في مهرجان دمشق للفنون الشعبية.

إنها (لوحة الحصاد) التي ماتزال حية منذ أكثر من ثلاثة عقود، تتوهج وكأنها من أعمال هذه الأيام.  وما كان ذلك إلا لجهد المرحوم سالم بن أحمد ورفاقه في النادي الذين حالفهم التوفيق في اختيار فكرة المشاركة التي جاءت على شكل لوحة حركية تستلهم في دقائقها أكثر من عنصر ثقافي شعبي تتراوح بين فنون الأداء ( عرضه ولعب ومسحباني) وبين فنون القول ( أمثال وأزجال ومسكوكات لفظية) وبين فنون العمل الزراعي (من البذر حتى الحصاد) . لقد اختاروا فنا مطورا  بدلا من الفن الخام فتحقق لهم التميز وتحقق لهم التصعيد.

ومما تحفل به مكتبتي المصورة تسجيل لحفل من حفلات المرور التوعوية، حفل اشتركت فيه أندية المنطقة وقد أقيم في مقر نادي الأزهر في بني سار.  كان من بين فقرات نادي زهران أغنية “يا رجال المرور”  التي كتبها وقام بأدائها شاعر الباحة الكبير عبد الواحد بن سعود (الأستاذ الدكتور حاليا)  بمصاحبة سلطان الريشتين سالم بن أحمد شهوان الزهراني رحمه الله وكانت على طرق من طروق المسحباني القديم جدا يُعرف بالطرق الصخبري.

هذا قليل من كثير، وغيض من فيض، جادت به ذاكرة سبعيني، وفاء لزميل عرفناه مشمرا عن ساعد العمل، لم يتثاءب يوما، ولم يكسل أو يتبلد في القيام بخدمة منطقة الباحة عموما، ومحافظة القرى خاصة. تعلمنا منه الكثير، وتعلم منه الكثير، حتى كان بالفعل، شهابا مر بنا، أضاء ما حولنا ومضى تغشاه رحمة الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com