بين فنجان قهوة وصفحة كتاب

بقلم: صفاء الأحمد
لطالما تساءلنا عن العلاقة بين فنجان القهوة والقراءة أو الكتابة، هل نشأت بمحض الصدفة؟
كما نشأت علاقة أغاني السيدة فيروز بالصباح مثلا!
يرتبط شرب القهوة بالقراءة والكتابة في الوعي الجمعي، وقد حاول التاريخ أن يثبت أن الأمر ليس مجرد صدفة.
فالارتباط بين دفء المشروب والممارسات الثقافية، تكوّن عبر قرون من الممارسة الفكرية والاجتماعية.
يعود أول استخدام للقهوة إلى اليمن في القرن الخامس عشر، حيث وجد الصوفيون فيها وسيلة لليقظة خلال ليالي التأمل الطويلة، وأداة لتعميق الفكر وتنظيم الانتباه، ورفيق ساعات الدراسة ومطالعة المخطوطات.
انتقلت العادة إلى المقاهي في بغداد والبصرة ودمشق؛ كان الأدباء والمثقفون يشربون فناجين القهوة أثناء النقاش حول الشعر والسياسة والفلسفة.
من هنا صار العقل والجسد يلتقيان في فضاء نصفه عامر بالكتب، ونصفه الآخر بالكلمات المتجوّلة بين الحاضرين بصحبة رائحة القهوة، قبل أن تُدوّن على الصفحات.
كانت هذه المقاهي نقاط التقاء للتفكير الجماعي، وساحات لتمرين العقل على التحليل والنقد، فصارت القهوة جزءًا من الثقافة الفكرية والاجتماعية، بينما بعض القراء والكُتّاب يظنون أن مجرد الإمساك بالفنجان يساوي حكمة مكتسبة.
ثمّ انتقلت القهوة إلى أوروبا في القرن السابع عشر، حاملة معها هذه العادة.
ظهرت المقاهي في لندن وباريس، وسرعان ما صار يُشار إليها باسم (جامعات برخص الفكر) حيث يجتمع العقل هناك مع اللسان والفنجان في توازن يتيح للفكر الانطلاق.
استخدم رواد الأدب والفلسفة – وعلى رأسهم فولتير وروسو – المقاهي كفضاء للكتابة والمناقشة، إذ كانت كل رشفة قهوة مناسبة لتوليد فكرة جديدة أو بدء نقاش يتجاوز حدود المكان والزمان.
ومن تجربتي الخاصة في الكتابة أو قراءة الكتب مع فنجان القهوة، أستطيع القول أنّها ليست لازمة جوهرية، لكنها تحافظ على روتين وجداني محدد.
حين يُقلب الكتاب وتتصاعد حرارة الرشفة، يدرك القارئ اتصالًا هادئًا بينه وبين النص، ورابطًا بين جسده المنهمك وفكره المستيقظ، وما أن يبرد الفنجان، تكون تجربة القراءة قد اكتملت بوعي الزمن وحركة الانتباه، بينما لا يزال يظن بعض القراء أنّ الحكمة تكمن في ما بين الفنجان والشفاه.
وهكذا يمكننا القول أن التاريخ والممارسة الطويلة هما وحدهما اللذان منحا فكرة ملازمة القهوة للكتاب صلابتها.
بين فنجان قهوة وصفحة كتاب، يمكن للمرء أن يلمس قيمة الصحبة الفكرية ولذة الانعزال المدرك، حيث يكون الصمت ممتلئًا، والكتاب حاضرًا بالحجة والمعنى، والفنجان حاضرًا بفعاليته الرمزية، فتتجسد لحظة التركيز الواعي، التي يتحد فيها الجسد مع الفكر والروح.


