النثيل والتسوّل الاجتماعي… حين يعلو الضجيج ويغيب الأثر.

محمد بن مسعود العُمري:
في دلالته اللُّغوية، يُطلق النثيل على التراب المُستخرج من البئر أثناء حفرها؛ ذلك الذي يُلقى خارجها، فلا يُنتفع به في بناءٍ، ولا يُستسقى منه ماء. وهو-في معناه -ما يتبقّى بعد أخذ الصافي، أو ما يخرج إلى السطح دون قيمةٍ تُذكر.
هذا المعنى اللغوي يبدو اليوم أقرب ما يكون إلى توصيف مشهدٍ اجتماعي متكرر؛ حيث خرج إلى الواجهة من لم يكن يومًا في عمق الفكرة، ولا في صميم العمل، فامتلأت المساحات بالظهور، وقلّ فيها الأثر. حضورٌ كثيف، ومحتوى خفيف، وضجيجٌ يزداد كلما خلا من المعنى.
ويبلغ هذا النثيل ذروته حين تتحول القيم إلى مشاهد مصوّرة،
ويُستبدل جوهر العمل بسطحه؛ فيُستعرض الكرم بدل أن يُقصد، وتُنصب الموائد لا لتصل إلى مستحقيها، بل لتصل إلى الكاميرا.
فالكرم الذي نعرفه في ثقافتنا ليس تبذيرًا، ولا سباقًا على الظهور، ولا منافسة على الترند.
كرم النبي صلى الله عليه وسلم كان خُلُقًا يُقصد به وجه الله، قريبًا من الفقراء والمساكين، بعيدًا عن الرياء والضجيج. أما الاحتماء باسمه لتبرير الإسراف، فذلك قلبٌ للمفاهيم لا إحياء لها، ونثيلٌ آخر يُلقى فوق نثيل.
ويكتمل المشهد بتصفيق المادحين، الذين باتوا يقيسون القيم بعدد المشاهدات لا بصدق النيّة، فيتحول المديح نفسه إلى جزءٍ من المشكلة، لا إلى شاهدٍ على الفعل.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على استعراض الكرم، بل اتخذ شكلًا أوسع من التسوّل الاجتماعي؛ حيث لا يُطلب المال، بل تُطلب المكانة، وتُستجدى الشهرة، وتُصنع الألقاب بلا رصيدٍ حقيقي من موهبة أو تجربة.
في هذا المشهد، برز من يقدّم نفسه شاعرًا بلا أدوات، أو كاتبًا بلا مشروع، أو إعلاميًا بلا مهنية؛ يلاحق الكاميرا، ويستكثر من الإطراء المتبادل، ويصنع حول نفسه هالةً من التلميع المصطنع. غدت الشهرة عند البعض غايةً تُطلب، لا نتيجةً تُستحق، وتكرّست الظاهرة عبر منصّات تُدار بمنطق المجاملة، حيث يُسوَّق الضعيف، ويُرفع العابر، ويعلو الضجيج على القيمة.
خطورة هذا النمط أنه لا يسيء إلى أصحابه فحسب، بل يربك المشهد الثقافي والإعلامي، ويزاحم الجادّين، ويُضعف معايير الجودة، حتى تختلط الأصوات، ويبهت الفارق بين الجهد الحقيقي والحضور المصطنع.
فالموهبة تُبنى بالصقل والعمل، لا بالاستجداء، والمكانة تُكتسب بالإنجاز، لا باللقب، والإعلام رسالة ومهنية، لا وسيلة ظهور أو نقلٍ عابر. ويبقى الفارق واضحًا:
من يسعى إلى أن يُرى،
ومن يعمل حتى يُرى.
فالأول يطلب الشهرة،
أما الثاني… فتطلبه الشهرة.
ولعلّ أصدق ما يُقال في وصف هذا المشهد قول الشاعر:
لقد هَزُلت حتى بدا من هزالها
كُلاها، وحتى سامَها كلُّ مُفلسِ
فالمشكلة ليست في الوسائل بقدر ما هي في الفراغ الذي وجد طريقه إليها؛ إذ لم تصنع وسائل التواصل هذه النماذج، لكنها وفّرت لها الضوء، ووسّعت لها المساحة.
وهكذا خرج النثيل من موضعه الضيّق… ليزاحم في المشهد، ويعلو صوته أكثر مما يحتمل قدره.
وما أجمل أن يتنزّه المرء بين أفانين سِيَر العلماء، والفضلاء، والعُبّاد، والزّهّاد؛ فهي الموازين التي تعيد للقيمة معناها، وللعمل وزنه. وعلى الحرّ الكريم أن يتغيّاها، ويربأ بحسبه ونسبه عن مراتع الهَمل وأرباب السَّفَل.



