مقالات

أرذل العمر… اختبار صبر لا ذاكرة

أميمة عبد العزيز زاهد

في رحلة العمر، يمضي الإنسان بين مراحل متعاقبة من القوة والضعف، من بدايات لا نملك فيها شيئًا، إلى قمم العطاء التي نظن أنها ستدوم… ثم إلى مرحلةٍ يعود فيها الجسد أهدأ، والعقل أبطأ، والذاكرة أقل وفاءً، وكأن الحياة تعيد ترتيبنا لنفهم حقيقتها من جديد.

قال الله تعالى:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾

هذه الآية الكريمة تفتح أمامنا بابًا واسعًا للفهم والرحمة… فهي تخبرنا أن بعض الناس قد يُردّون إلى أرذل العمر؛ وهي أضعف مراحل الحياة وأشدّها وهنًا، حيث يضعف الجسد وتتراجع بعض القدرات، وقد يتبدل الإنسان في سلوكه وردود فعله، ويصبح أكثر حساسية وأقل صبرًا، وقد ينسى أسماء أحبته، أو يكرر الكلام، أو تضيع منه تفاصيل كانت يومًا واضحة في ذهنه.

وهنا يأتي الجزء المؤثر من المعنى: “لكي لا يعلم بعد علم شيئًا” ، أي أن الإنسان –بعد أن عاش العلم والخبرة والقدرة– قد يعود إلى مرحلة من النسيان والضعف، فيحتاج من حوله كما احتاجوه في بداياتهم.

إنها ليست عقوبة… بل سنّة من سنن الله في خلقه، واختبارٌ للقلوب قبل أن يكون ابتلاءً للأجساد. اختبارٌ لأهل البيت: هل نملك من الصبر ما يكفي؟ هل نستطيع أن نفهم أن ما يحدث لكبير السن ليس “تقصيرًا” بل “تغيرًا طبيعيًا”؟ هل ندرك أن الذي كان سندًا يومًا، قد يحتاج اليوم لمن يكون له السند؟

ومع الأسف… في زمن السرعة والانشغال، بدأت بعض الأسر تتعامل مع كبار السن وكأنهم عبء ثقيل، لا كنعمة عظيمة. البعض يضيق بتكرارهم، والبعض يستحي من اصطحابهم، والبعض يقسو في حديثه معهم، وينسى أنهم يحملون داخلهم تاريخًا من التضحية والعطاء.

لكن الحقيقة التي يجب أن نتذكرها دائمًا: أن برّ كبار السن ليس فقط واجبًا دينيًا… بل هو مقياس إنساني راقٍ، وميزان أخلاقي يكشف معدن النفوس.

كبير السن لا يحتاج منا معجزات…
يحتاج كلمة طيبة، ونبرة هادئة، ولمسة حنان، وصبرًا جميلًا، يحتاج أن يشعر أنه ما زال مهمًّا، وأن وجوده بركة لا عبء، وأنه محبوب حتى وإن نسي أسماءنا أو كرر الحكاية ألف مرة.

ونحن حين نرفق بهم… فإننا لا نرفق بإنسانٍ فقط، بل نرفق بقدر الله حين يمرّ علينا في صورة إنسان ضعيف.
وحين نصبر عليهم… فإنما نُهذّب أرواحنا ونُربّي أبناءنا على الوفاء، ونزرع في البيوت قيمة الرحمة التي لا تشيخ

وهو درس عظيم لأن الحياة لا تُقاس بقوة الجسد، ولا بحدّة الذاكرة، ولا بقدرة الإنسان على الإنتاج… بل تُقاس بما تركه الإنسان في القلوب من أثر، وبما صنعه من خير، وبما قدّمه من حب.

همسه حُب…
أرذل العمر ليس ضعفًا يُلام عليه الإنسان، بل مرحلة يختبر الله بها صبرنا ورحمتنا ووفاءنا. فهنيئا لمن أحسن التعامل واحتسب الأجر
ورق قلبه قبل أن يلين صوته.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، واحفظ علينا نعمة العقل والعافية، وردّنا إليك رداً جميلاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com