ميراث الحيرة ..

هيفاء علي نورالدين
قصة قصيرة
عادةً، لا تجتمع العائلة بكامل هيئتها إلا في حالتين: عزاء… أو ميراث. وهذه المرة، لحسن الحظ، لم يكن هناك عزاء. فقط شقة قديمة في الحيّ العتيق، تركها أبي – رحمه الله – كهدية أخيرة لنا، أو كاختبار صبر طويل، حسب زاوية النظر.
الدعوة جاءت مهذبة:
“نجتمع السبت بعد المغرب… نتفاهم.”
كلمة نتفاهم في قاموس العائلة تعني أن كل شخص سيأتي وهو مقتنع أنه الوحيد الذي يفهم.
جلستُ أراقب المشهد من طرف الكنبة. أخي الأكبر أخذ موقعه الطبيعي في صدر المجلس، كأنه ورث الشقة والسلطة معًا. أختي أحضرت معها دفتر ملاحظات، ليس حبًا في التنظيم، بل خوفًا من أن تُسرق منها فكرة لاحقًا. خالي حضر بصفته “خبير عقارات”، رغم أنه لم يشترِ في حياته أكثر من سيارتين مستعملتين.
بدأ الحديث هادئًا. دعاء للوالد، ذكريات قصيرة، تنهيدة محسوبة. ثم دخلنا الموضوع الحقيقي:
نبيع؟
نؤجر؟
نرمم؟
ثلاثة أفعال بسيطة، لكنها كفيلة بإشعال حرب باردة.
أخي يرى أن البيع هو الحل “العقلاني”، لأن الأسعار الآن “ممتازة”. أختي ترفض البيع بحجة أن “البيت ذكرى”، وكأن الذكريات لا يمكن تخزينها في صور قديمة. خالي يقترح الترميم وتحويلها إلى مشروع استثماري، لأنه مؤمن أن أي جدار يمكن أن يصبح دخلًا شهريًا لو أعطيته فرصة.
أما أمي، فكانت تراقبنا بصمت. ذلك الصمت الذي يقول: “لو كان أبوكم حيًا لما اختلفتم.”
وهي جملة تُستخدم عادةً لإشعار الجميع بالذنب، دون أن تحلّ شيئًا.
المثير في اجتماعات الميراث أن الجميع يتحدث بلغة المصلحة العامة، بينما يحسب حصته في رأسه بدقة محاسب قانوني. لا أحد يعترف أنه يفكر في نصيبه، لكن الجميع يعرف أن الآخر يفعل.
ارتفعت الأصوات قليلًا. ليس بالصراخ، نحن عائلة محترمة، بل بنبرة حادة تكفي لإفساد طعم القهوة. أحدهم قال: “أنا ما يهمني الفلوس.” وهي العبارة التي تعني غالبًا العكس تمامًا. آخر قال: “خلّونا نكون عمليين.” والعملية هنا تعني الموافقة على رأيه تحديدًا.
بعد ساعتين من النقاش المثمر الذي لم يُثمر، اتفقنا على تأجيل القرار. التأجيل هو الحل الرسمي لكل معضلة عائلية. نخرج منه بشعور وهمي أننا عقلاء، بينما الحقيقة أننا فقط متعبون.
غادر كلٌ منا وهو مقتنع أنه كان الأكثر منطقية، والأكثر حرصًا، والأكثر وفاءً لذكرى الأب. أما الشقة، فبقيت كما هي: جدران صامتة لا تعرف إن كانت ستُباع، تُؤجر، أم تتحول إلى قصة تُروى في الاجتماع القادم.
في النهاية، الميراث ليس العقار. الميراث الحقيقي هو هذه القدرة العجيبة على الاختلاف حول كل شيء، حتى ونحن نردد أننا “قلب واحد”.
وسنجتمع مجددًا، بالطبع.
لأن بعض القرارات المصيرية لا تُحسم…
بل تُناقش إلى الأبد.



