آل المطوع: فخر يخلّد ووفاء متوارث

عبدالحي إبراهيم الغبيشي
تشرفت بتلبية دعوة كريمة من أ. ضيف الله المطوع، لحضور حفل أُقيم على شرف أ. خضران بن عقار وعمدة المندق أ. رياض الطاحسي، في ليلة من ليالي الوفاء. جمعت بين المُكرِم والمكرَّم، وما بينهما من أواصر محبة وصلة وقربى.
آل عبشان وآل عقار أسرتان عريقتان، وهما غنيتان عن التعريف، ولعلني أذكر في عجالة بعض مآثرهم. المكرم الأول رياض الطاحسي، وهو حفيد علي بن الطاحسي بن عبشان، الذي وُلد في مطلع القرن الرابع عشر الهجري تقريبًا، وقد عُرف هذا البيت منذ القدم بالكرم والحكمة وإصلاح ذات البين وخدمة الناس، والقيام على شؤون سوق المندق التاريخي.
فقد كان علي بن عبشان “الجد” عريفة المندق والقائم على شؤونها، وكان في إصلاح ذات البين، وقد ذكر كرمه ودوره في الإصلاح وأثنى عليه قاضي المندق الأسبق عبدالله الرشيد عام 1372هـ، وذكر دوره ودور صالح بن قماش من النصباء وغيرهم في حل المشاكل بين القرى والقبائل وإصلاح ذات البين.
ومعلوم أن هذا العمل يحتاج، دون شك، إلى مهارات تُسمى في زماننا الحالي “خارج الصندوق”. توفرت فيهم اللباقة والحكمة والتأني، وكان علي بن عبشان من الرعيل الأول المناصرين للملك عبدالعزيز – رحمه الله – أثناء قيام الدولة، وهو ممن استقبل الأمير عبدالعزيز بن إبراهيم سنة 1344هـ، الذي وصل بحملة عسكرية لتثبيت دعائم الحكم، وأقاموا له حفلة في سوق المندق.
ثم تولى العرافة بعده ابنه الطاحسي بن علي، رحمه الله، وقام بها خير قيام، حيث كان رجلًا شهماً عُرف بالكرم الذي كان سجية من سجاياه. فقد كان، يرحمه الله، رمزًا من رموز المنطقة وأعيانها، ومن أشهر رجال قبيلة بني كنانة. والطاحسي عُرف بأنه ذو مواقف مشرفة، عاش بين جيلين وعاصر النهضة والكثير من الأحداث والزيارات التي شهدتها المندق، والتي كان من أهمها زيارة الملك سعود ـ رحمه الله ـ عام 1374هـ، وما تبعها من زيارات لأولياء أمور هذه البلاد ـ رحمهم الله ـ وحفظ من كان منهم على قيد الحياة.
ومما يُذكر للطاحسي من أعماله الخيرية ومساهمته المجتمعية تبرعه بعدة مواقع من أملاكه للصالح العام، ومنها: أرض المدرسة الابتدائية، وأرض مكتب الإشراف التربوي، وأرض المعهد العلمي بالمندق. وقد ذكر عنه ذلك أحد المسؤولين والمشايخ الفضلاء، ولقد حظي بزيارة الكثير من أصحاب المعالي الوزراء ـ في منزله ـ، وكلهم قد أثنوا على كرمه وحسن استقباله وسخائه، كما كان مؤسسًا وعضوًا في الكثير من الجمعيات الخيرية.
وأما عن الحفيد رياض الطاحسي، فما هو إلا امتداد لذاك السلف في الاعتداد بمهام آبائه، والتأسي بهم، والحفاظ على ذلك الإرث وتلكم السيرة الحسنة، والخطو على كل أمر حسن.
أما المكرم الثاني فهو خضران بن عقار من قرية الحناديد التابعة لقبيلة بيضان.
فقد كان والده صالح بن عبدالله بن عقار شاعراً مرموقًا ومن أعيان زهران وقبيلة بيضان، وكان فقيهًا وإمامًا لمسجد الحناديد. وُلد عام 1308هـ، وعاش هو الآخر بين جيلين، وعاصر الكثير من الأحداث التاريخية، منها مرافقة الشيخ راشد بن رقوش لمقابلة الأمير خالد بن لؤي، أمير تربة، لتجديد البيعة للملك عبدالعزيز آل سعود عام 1338هـ. وفي عهد الملك سعود انتُخب جابيًا للزكوات وخُروص أهالي السراة وتهامة، وشارك في إخماد بعض الفتن التي دبت في إحدى القبائل، وقال في ذلك قصيدة أمام إبراهيم النشمي يحثه على سرعة السير.
ومما يُذكر له من أعماله الخيرية ومساهمته المجتمعية…
كان شاعرًا مجيدًا، صاحب موهبة وخبرة وثقافة صقلتها تلك الأسفار إلى السودان والحبشة، يعرف قيمة الرجال، ويُعد واحدًا من أولئك الموسومين بالذكاء الاجتماعي الذي أتاح لهم وعيًا وتأثيرًا في مجتمعهم، من خلال معرفتهم وتقديرهم بعضهم بعضًا، رغم صعوبة الحياة وتباعد القرى وعدم توفر وسائل الاتصال.
أولئك الرجال لن نوفيهم حقهم من الشكر، ومما وصلنا من أخباره وأشعاره أنه كان يتنقل في أرجاء المنطقة بين القرى والقبائل، عارفًا برجالها ومقدرًا لمكانتهم. نظم فيهم الشعر بجميل المعنى والأثر، يقول في بلحكم: (احتموا قرن المحيجي وبرعمة)، ويذهب المندق وقرية الحلاة ويقول: “حمو الزهير وفيق وع الطف ارقابه”
يذهب قرية النصباء ويمدح عريفتها ـ وقتها ـ راشد بن حسن بقصيدة فيها صور فنية بديعة لا يعرفها إلا من عاش في تلك الأزمنة
البدع:
أقولها يا مَحْضَ والْبَدْوِ حَولَهُ شَيْ خِدَّار
جُفَالَتَهُ فوق الْقَدَحْ تَنْبَصِرْ شُفْيان بيضان
هني من يشرب منه ع الظما وَبَيَاض مَا ارْوَهُ
الرد:
وحصن راشد يوم جَونَ بمرون شَيْخ الدَّار
يخيلونه من بني حَرْب إلى شُفْيان بيضان
واللي فِي الْمَشْرِقَ بعِيدٌ يشوف ابْيَاضَ مَرْوَهُ
وقد استلم العرافة من بعده ابنه أ. خضران بن عقار، أمد الله في عمره، وكان هو الآخر على درب والده، يناله من الذكر والسؤدد ما نال والده. وأيضًا هو يقرض الشعر، وقد تذكرته لما أنشد تلك القصيدة في الحفل، يمدح فيها المندق وقبيلة بني كنانة.
ذكرني بما قاله والده في إحدى مناسبات بني كنانة، وهو يشد بهم وبقراهم وحمياتهم.
ومما يُذكر في هذا الصدد من قصص وأخبار ومآثر عُرف وتميز بها ذلك الجيل خلال القرن المنصرم:
يقال إنه أثناء حملة ابن إبراهيم، التي كان هدفها تثبيت دعائم الحكم، قال سالم بن عايد من أهالي برحرح، وهو رجل حكيم وصاحب معرفة، قال للأمير ابن إبراهيم:
يا طويل العمر، إن علي بن قذان “صحفة كرم”. وفعلاً، عندما وصلت الحملة المندق أكرمهم وأحسن استقبالهم، وذبح لهم الثيران، وزودهم بالحبوب لهم ولخيولهم. وقال عنه الأمير: وجدناه أسدًا. وهذا ما درج عليه أهالي المندق.
وختامًا …. فما قام قبل يومين كل من: عبدالله وضيف الله المطوع وإخوانه من تكريم لأولئك الرموز إلا عادة توارثها أهالي المندق كابرًا عن كابر، وخير دليل ذلك الحفل الباهر والكرم الحاتمي، الذي نال وقعًا طيبًا في نفوس الحاضرين، وكأن لسان حالهم يقول: نحن على الأثر باقون.



