مقالات

«بلاد البلاتا»… حين يصنع السرد قارئه

بقلم: سعيد حشره

كنتُ على بُعد شاشةٍ من أحرفه، ولم أكن قد اعتدتُ قبلها على قراءة الكتب إلكترونيًا. أنا من جيلٍ يفضّل أن يمسك الصحيفة بين يديه ويبدأها من الصفحة الأخيرة. لا أعلم من كان الأسبق: هذا السلوك لدى القارئ أم عبارة «هات من الآخر»، أم أن تلك العبارة كانت المبرّر له؛ لا فرق.

كانت الساعة الثانية والنصف صباحًا حين اكتشفت أنني تعرّضتُ لسرقةٍ مستسلمًا… حسنًا يا حسين، لقد تسلّلتَ إلى داخلي، فأصبحتُ أنا من يتجوّل في طرقات بوينس آيرس، وأنا من سحب الحقيبة الثانية بقوةٍ أكثر من المعتاد فابتسمت له حسناء قبل أن يغادر، وأنا من نظر إلى الثلج في الحديقة الخلفية، وأنا من سقط على الثلج ولم يُصب بسوء.

انتابتني الدهشة، كتلك التي كانت تنتابك عند مشاهدتك للغرباء في قريتك الصغيرة. وأتذكّر أنني في إصدارك الأول «مدينة ليس عليها صلاة» لامستني بصدقٍ تفاصيل رحلتك إلى وادي الحبقة مع الصديق ميم، وقصة فنجالكما المنسي أو المفقود أو المسروق — أيا يكن — ورسالتك في آخر القصة عن الأشقياء.

وفي «دوقة» توقفت عند قصة الهندي عرفان الذي ألفه المكان والناس حتى أصبحوا يبتاعون له تذاكره.

وفي «شك» قرأت عن قصص حياتك وتلك التي من الخيال، وفي «حكاية صغيرة» تجسّد لي ذلك الوجيه الذي خرج متكئًا على نصفه الجميل وإن كان لا يبدو كذلك. ألم يزل المقهى يتنفّس بأنفاس فقيده في لحظات صمتٍ ووجوم، كتلك التي قطعها صدى الكلمات التي ردّدها القاضي بلا مشاعر، وكنتُ أنا صداه الحزين؟

في إصدارك استوقفتني الكثير من العبارات الخالدة؛ منها أن النجوم العالميين لا يذهبون إلى العالمية وحدهم، بل يحملون أماكنهم معهم. وأيضًا عبارتك: «ولكنني دائمًا أحسن الظن في النساء». شريكتك في الكتاب كذلك كان لها الكثير من الإيماءات المجنّحة والعبارات الآخاذة.

تطرّقتَ إلى مركز الملك فهد الثقافي الإسلامي كمنارة إشعاعٍ إنسانية. وأستأذنك في الخروج عن السياق قليلًا… أذيع لك سرًّا بأنني منذ وقتٍ مبكر، وفي كل ما تقدّمه دولتنا المباركة من عونٍ ومساعدةٍ وبناءٍ وخدماتٍ للمسلمين داخل المملكة وخارجها، أنوي وأحتسب أن ينالني أجر ذلك؛ أليست الأعمال بالنيات؟

صديقي حسين… لا أجمل من أن تغزل حروفك بكيميائك الخاصة التي تستلهم الأماكن والمدن من جانب، فيما تغوص — عازفًا ماهرًا — على قيثارة المشاعر.

تأخذ الأمكنة والطرقات والزوايا بيمناك، وخلجات المشاعر ولحظات اللقاء ودموع الوداع بيسراك، وتنساب سردًا كنهرٍ متدفّق دافئ له مذاقه الخاص.

أجدني كقارئٍ عادي لا تهمّه التصنيفات ولا الأدوات ولا القوالب ولا آراء النقّاد أو المحكّمين؛ أجدني مشدوهاً بأحرفك. وكنتُ قد أشرتُ أنك تسلّلت إليّ وأمسكت بزمام مشاعري، بيد أنني أيضًا أحسّ أنني أنا من انسللتُ داخلك وتقمّصتك، وأستمتع بكل التفاصيل في إصدارك «بلاد البلاتا»: أصدقاؤك أصدقائي، خطواتك خطواتي، عثراتك عثراتي. فكرة أن يكون هناك كتابٌ مشترك فكرةٌ مبهرة؛ فكرة تتجاوز العوائق لتحلّق في سماء الإنسانية.

انغمستُ في كلا الجزأين واستمتعت، وكنتُ أنساب كقاربٍ في جدول، لكنني في لحظةٍ ما اعتدلتُ في جلستي وخرجتُ كالمارد من رأس القلم أو من لوحة المفاتيح — لا أدري — وبينما كنتُ أرفع نصف شماغي على رأسي وأدير النصف الثاني من خلف رقبتي ليتدلّى جزءٌ منه على صدري، أمسكتُ بمطرقة المحكمة وضربتُ ثلاث ضربات، وفي حزمٍ واضح قلتُ وأنا أوجّه نظري إلى أعينكم:

عذرًا حسين…

عذرًا مرسيدس سوسا…

عذرًا أدريانا فووك…

فللأرض صوتٌ واحد…

طلال مداح صوت الأرض، ولا صوت لها غيره.

انتهت الجلسة.

عدتُ هذه المرة لأتسلّل إلى داخلك، أخي حسين، مناديًا: كم أهدرتُ من الوقت، وكم فاتنا من هذا الجمال! أهدرتُ الكثير من الوقت. أعلم يقينًا أنك كنتَ تستمتع برحلتك في بلاط الصحافة، وكمدرّبٍ ينثر الخبرة والمعرفة والعلم لمتدرّبيه، وبوجودك كمستشارٍ موثوقٍ للكثير من الأدباء، وكمقدّمٍ للأمسيات يحسن صناعة الوهج لمشاركيه، وكطاقةٍ إيجابيةٍ لمن حوله.

حسنًا يا صديقي الأهلاوي… الاستقامة!

قبل وقتٍ قصير أهدر النجم الإنجليزي آيفن توني، القادم من برينتفورد إلى الأهلي السعودي، ضربة جزاء لم يكن ذلك معتادًا، لكنه عاد في نفس المواجهة ليسجّل ثلاثة أهداف (هاتريك)… كن كذلك يا حسين.

وأخيرًا… أظن أننا — يا حسين — كأشخاص، جميعًا نعم جميعًا، لا نعرف بعضنا بالقدر الكافي…!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com