مقالات

الممثل القديم افضل من الممثل الجديد

فواز المالحي
لم يكن الفن مجرد وقوف أمام الكاميرا ونطق للكلمات؛ بل في نظر جيل الرواد والعمالقة، ميثاقاً أخلاقياً يربط الفنان بمجتمعه. في تلك الحقبة الذهبية، لم يكن الممثل يخشى مقص الرقيب الرسمي بقدر ما كان يمتثل لـ “رقيبه الذاتي”. كان يدرك أن دخوله إلى بيوت الناس عبر الشاشة التلفزيونية هو استضافة قائمة على الثقة، مما جعل اختيار الأدوار والبطولات يخضع لمصفاة دقيقة من الاحترام للأعراف والتقاليد والذوق العام.
إدراك الخلود الفني
الممثل القديم كان يتمتع بـ “بعد نظر” فني؛ كان يعلم يميناً أن العمل الذي يقدمه اليوم سيعيش معه ومع عائلته وأبناء مجتمعه لسنوات طويلة. لذا، كان الحذر هو سيد الموقف. لم تكن الغاية هي التواجد لمجرد الظهور، بل كان السؤال الجوهري: “ماذا سيقول عني الجمهور بعد عشرين عاماً؟”. هذا الوعي بالتاريخ الشخصي والفني جعل من الفنان أيقونة وقار، وجعل من الدراما مرآة تهذيبية تعكس أجمل ما في المجتمع، أو تنتقد عيوبه بأسلوب راقٍ لا يخدش الحياء.
أزمة الجيل الجديد: غياب العمق وظل “التريند”
في المقابل، نعيش اليوم واقعاً درامياً مختلفاً تماماً، حيث تصدر المشهد شباب وشابات قفزوا إلى أدوار البطولة دون المرور بمختبرات التجربة الكافية، والأدهى من ذلك، دون تسلح بثقافة عامة تعينهم على فهم تفاصيل وخصوصية المجتمعات التي يمثلونها.
إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في صغر سنهم، بل في الانغلاق المعرفي. فبينما كان الممثل القديم ينهل من الأدب والمسرح ومخالطة الناس في الأسواق والمقاهي، نجد الكثير من ممثلي اليوم لا يشاهدون إلا “ما هو أدنى من ظلهم”؛ فهم أسرى منصات التواصل الاجتماعي والفقاعات الافتراضية التي تعلي من شأن السطحية والمحتوى الصادم.
الفن كاستعراض لا كرسالة
لقد تحولت “البطولة” من مسؤولية فنية وأخلاقية إلى وسيلة لزيادة عدد المتابعين أو تحقيق “التريند” اللحظي. هذا الغياب للرقيب الذاتي أدى إلى تقديم نماذج مشوهة لا تشبه مجتمعاتنا، وأدوار لا تبالي بكسر القيم أو تجاوز الخطوط الحمراء تحت ذريعة “الواقعية”، بينما هي في الحقيقة مجرد استنساخ لمحتويات مستوردة لا تمت لواقعنا بصلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com