ثقافة وفن

رواية(العاري) لحسين العلي: رحلة الإنسان بين غربة الروح وأسئلة الجسد

قراءة : هاني الحجي

يحدث أحيانًا أن نقرأ رواية لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل تستمر في مرافقتنا بعد ذلك؛ تلاحقنا أسئلتها في تفاصيل الحياة اليومية، وتبقى شخصياتها حاضرة في الذاكرة وكأنها جزء من تجاربنا الخاصة. وهذا ما تفعله رواية «العاري» للكاتب حسين العلي؛ فهي ليست مجرد حكاية تُقرأ من أجل المتعة العابرة، بل تجربة فكرية وإنسانية تثير الأسئلة وتوقظ الوعي، وتدفع القارئ إلى إعادة النظر في كثير من القضايا التي اعتاد النظر إليها بسطحية.
تدور أحداث الرواية في إطار زمني قصير لا يتجاوز دقائق الاستحمام، حيث يجلس بطل الرواية في حوض الاستحمام مستغرقًا في استعادة ذكرياته عن رحلته إلى شرق آسيا. ومن هذا الفضاء الضيق مكانيًا وزمنيًا تنفتح الرواية على عوالم إنسانية واسعة، تستحضر تجارب الحب والألم والاغتراب، وتعيد تفكيك علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين.


تبدأ الرواية بلقاء عابر على متن الطائرة بين البطل وفتاة عربية جاءت للعمل في إحدى الدول الخليجية، لكنها اكتشفت أن العقد الذي أُحضرت بسببه كان وهميًا، وأن الهدف الحقيقي هو استغلالها في الدعارة. ترفض الفتاة هذا المصير حفاظًا على كرامتها، وتفضل الفقر على الانخراط في هذا العالم، وتحكي للبطل عن محاولاتها المتكررة للهروب والعودة إلى بلدها.

غير أن المفارقة تظهر حين تسأل البطل عن سبب سفره، فيجيبها بصراحة أنه ذاهب للبحث عن بائعات الهوى. يشكل هذا الحوار نقطة انطلاق للرواية التي تغوص في عالم الدعارة لا بوصفه ظاهرة سطحية، بل كواقع إنساني معقد مليء بالتناقضات والأسئلة.
تنشغل الرواية بسؤال الهوية الفردية والذات الجمعية؛ فالبطل الذي يعيش تجربة الغربة يحاول اكتشاف ذاته من خلال علاقاته مع نساء ينتمين إلى عالم الليل. ومن خلال هذه العلاقات يستعرض الكاتب التحولات الفكرية والنفسية التي يمر بها البطل، كاشفًا صراعاته الداخلية وتساؤلاته الوجودية.

في شرق آسيا يلتقي البطل بامرأتين مختلفتين تمامًا: (زليفيا ) (وأنيتا). ومن خلال هاتين الشخصيتين يفتح الكاتب نافذة على عالم بائعات الهوى من الداخل، كاشفًا عن معاناة الاغتراب النفسي والصراع الاجتماعي الذي تعيشه هذه الفئة.

تمثل (زليفيا) شخصية متمردة جريحة؛ فقد جاءت من أرياف المدينة لتكرس حياتها لحبيبها، لكنه يغدر بها ويتركها وحيدة، فتقودها الحاجة إلى عالم الدعارة. ورغم انغماسها في هذا العالم، تبقى ممزقة بين رغبتها في الطهارة الداخلية ومحاولتها الهروب من ماضيها. حين تلتقي بالبطل تكتشف قدرتها على الحب مرة أخرى، وكأن الحياة تمنحها فرصة لاستعادة أنوثتها المسلوبة. لكنها تظل خائفة من أن يلوث ماضيها هذا الحب الجديد.
ومن خلال هذه العلاقة يطرح النص سؤالًا مؤرقًا:
هل يمكن للحب أن يكون قوة تطهير تمحو خطايا الماضي؟ وهل تستطيع بائعة الهوى أن تحب مثل أي امرأة أخرى تبحث عن الأمان والطمأنينة؟

في المقابل، تقدم شخصية (أنيتا) نموذجًا مختلفًا تمامًا؛ فهي امرأة متصالحة مع ذاتها، تسعى إلى الارتقاء الروحي بعد أن أنهكها عالم الجسد.

وقد حاولت التكفير عن ماضيها عبر رحلة روحية انفتحت فيها على مختلف الديانات والمعتقدات، باحثة عن خلاص يتجاوز حدود الجسد.
مع أ(نيتا) يجد البطل نفسه أمام تجربة روحية عميقة؛ فبدل أن تمنحه الإجابات، تدفعه إلى مزيد من الأسئلة. وهنا يتحول السؤال الوجودي إلى محور التجربة كلها: هل الهروب إلى الروح يعني قتل الجسد؟ أم أن الإنسان لا يستطيع الانفصال عن ازدواجيته بين الروح والجسد؟

ومن خلال علاقته بالمرأتين يكتشف البطل أن الحب والألم وجهان لتجربة إنسانية واحدة؛ فالمرأة التي تمنحه الحب قد تغرس في داخله سكين الألم، والمرأة التي تحاول تخفيف آلامه قد توقظ في قلبه شوق الحب. وهكذا يظل الإنسان معلقًا بين انجذابه إلى روح المرأة وضياعه في جغرافية جسدها، دون أن يتمكن من فهمها بالكامل.
حتى بعد عودته إلى بلده، يكتشف البطل أنه ما زال أسير تلك التجربة؛ يبحث في ذاكرته عن (زليفيا) التي تركها في بحار الحياة، وعن أنيتا التي بقيت في جبال الروح. وتبقى الأسئلة التي أثارتها علاقته بهما تدور في داخله بلا إجابات حاسمة.

تتوسع الرواية أيضًا في استكشاف العلاقة بين المرأة والمرأة، حين تكتشف (زليفيا)وجود علاقة بين البطل ومعلمتها الروحية (أنيتا)، فتندلع نار الغيرة بين امرأتين تمثل إحداهما أرض الجسد وتمثل الأخرى سماء الروح. ويجد البطل نفسه عالقًا بين عالمين لا يستطيع الانتماء الكامل إلى أي منهما.

لا تقدم الرواية أحكامًا أخلاقية جاهزة، بل تسعى إلى فهم الإنسان في ضعفه وتناقضاته. فهي تتناول الجنس لا بوصفه فعلًا جسديًا فحسب، بل كرمز معقد للهوية والاغتراب والرغبة في الهروب من الألم. كما تتطرق إلى عقدة الذنب والقلق الوجودي، وإلى التوتر الدائم بين الماضي والحاضر.

وفي خلفية كل ذلك يظل سؤال المكان حاضرًا؛ فالإنسان حين يكون في بيئته يشتاق إلى الهروب منها، وحين يبتعد عنها يحن إلى تفاصيلها الصغيرة. وكأن الوجود الإنساني محكوم بدائرة من التوجع الدائم، حيث تمنح الحياة لحظات الألم أكثر مما تمنح لحظات الحب.

بهذا المعنى، تبدو رواية «العاري» محاولة لكشف الإنسان في حالته الأكثر هشاشة، حين يقف عاريًا أمام أسئلة الحب والذنب والهوية. إنها رواية لا تقدم الإجابات بقدر ما تفتح أبواب الأسئلة، وتترك القارئ في مواجهة تأملاته الخاصة حول معنى الجسد والروح، والحب والألم، والبحث الدائم عن الذات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com