صديق الصمت

هيفاء علي نورالدين
قصة قصيرة
لم يكن يعرف متى بدأت الحكاية بالضبط.
الوحدة لا تأتي دفعةً واحدة، لا تقرع الباب وتقول: ها أنا هنا.
هي تتسلل مثل غبارٍ خفيف، يجلس على الأشياء ببطء، حتى تكتشف فجأة أن كل شيء صار مغطّى به.
اسمه سليم.
رجل في أواخر الأربعين، يعمل موظفًا في مكتبة صغيرة في شارع جانبي هادئ. لم يكن العمل متعبًا، ولم يكن مملًا أيضًا. الكتب رفقة صامتة، لا تطلب شيئًا، ولا تعاتبك إن تركتها مفتوحة على الصفحة نفسها لأيام.
كان يستيقظ كل صباح في السادسة تمامًا، بلا منبه.
كأن جسده حفظ الوقت مثل ساعة قديمة لا تخطئ.
يغلي الماء، يضع القهوة في الفنجان الأبيض نفسه الذي اشتراه منذ سنوات، ويجلس قرب النافذة.
النافذة تطل على شارع ضيق، تمر فيه امرأة كل صباح تحمل أكياس الخبز، وصبي يقود دراجة صدئة، ورجل عجوز يمشي ببطء كأنه يعدّ خطواته.
لم يكن يعرف أسماءهم، لكنه صار يحفظ تفاصيلهم الصغيرة.
في الماضي، لم يكن سليم هكذا.
كان له أصدقاء كثر.
كان البيت يمتلئ بالضحك مساءً، وكانت أمه تقول دائمًا:
“هذا البيت لا يعرف الهدوء.”
لكن البيوت، مثل البشر، تتغير.
رحلت أمه أولًا.
لم يكن الرحيل مفاجئًا، المرض كان طويلًا بما يكفي ليجعلك تتعب من الحزن قبل أن يحدث. ومع ذلك، حين حدث، بدا البيت فجأة أكبر مما يجب.
أخته تزوجت وانتقلت إلى مدينة بعيدة.
أصدقاؤه انشغلوا بحياتهم: وظائف، أطفال، قروض، مشاغل لا تنتهي.
أما سليم… فقد بقي.
في البداية حاول أن يقاوم الوحدة.
كان يتصل بالناس، يخرج كثيرًا، يجلس في المقاهي، يفتح الأحاديث مع الغرباء. لكن شيئًا فشيئًا اكتشف أن الأحاديث أصبحت أقصر، وأن الصمت صار أطول.
حتى صار يومًا ما يجلس في المقهى ساعة كاملة دون أن يقول كلمة.
لم ينزعج من ذلك كثيرًا.
الوحدة، حين تطول، تصبح عادة.
في المكتبة، كان يعرف كل الكتب تقريبًا.
يعرف الرف الذي ينام عليه الشعر، والرف الذي تختبئ فيه الروايات القديمة التي لم يسأل عنها أحد منذ سنوات.
أحيانًا كان يفتح كتابًا عشوائيًا ويقرأ صفحة واحدة فقط.
ليس بدافع الفضول… بل كأن القراءة طريقة لتأكيد أن العالم ما زال موجودًا خارج صمته.
كان صاحب المكتبة، رجل قصير اسمه عادل، يقول له دائمًا:
“يا سليم، أنت تعيش مع الكتب أكثر مما تعيش مع الناس.”
فيبتسم سليم ويقول:
— “الكتب لا تتأخر في الرد.”
في المساء، يعود إلى البيت.
البيت صغير، غرفتان ومطبخ ضيق.
الأثاث قديم لكنه مرتب بعناية.
الكرسي الخشبي قرب النافذة هو مكانه المفضل.
يجلس عليه كل ليلة تقريبًا، يحمل فنجان القهوة، ويترك النافذة نصف مفتوحة.
الشارع في الليل مختلف.
الأصوات أقل، والضوء أصفر خافت، والسيارات تمر أبطأ كأنها تفكر قبل أن تواصل الطريق.
أحيانًا كان يسمع ضحكات من شقة الجيران.
أحيانًا صوت طفل يبكي.
وأحيانًا لا شيء على الإطلاق.
في تلك اللحظات، كان يشعر بشيء غريب…
ليس حزنًا تمامًا، بل فراغًا واسعًا.
كأن قلبه غرفة كبيرة أُخرج منها الأثاث فجأة.
ذات مساء، حدث شيء بسيط.
كان عائدًا من العمل عندما وجد قطة صغيرة قرب باب البناية.
رمادية، نحيلة، وعيناها واسعتان بشكل يثير الشفقة.
توقفت القطة ونظرت إليه.
وقف سليم قليلًا، ثم قال بصوت خافت:
— “هل تنتظرين أحدًا؟”
لم تجب، بالطبع.
لكنه شعر أن السؤال لم يكن موجّهًا إليها فقط.
أخرج قطعة خبز من الكيس الذي يحمله، وضعها على الأرض، ثم صعد الدرج ببطء.
في اليوم التالي كانت القطة هناك أيضًا.
ثم في اليوم الذي بعده.
بعد أسبوع، صار سليم يتوقف كل مساء لدقائق.
يضع لها طعامًا، ويجلس على الدرجة الأولى من السلم.
كانت القطة تأكل بصمت، ثم تقترب قليلًا.
وفي إحدى المرات، جلست بجانبه.
لم يفعل شيئًا.
فقط بقي هناك، ينظر إلى الشارع.
كان شعورًا بسيطًا… لكنه غريب.
كأن الوحدة، لأول مرة منذ سنوات، تراجعت خطوة صغيرة.
في تلك الليلة، حين جلس قرب النافذة، لاحظ شيئًا.
الصمت لم يعد ثقيلًا كما كان.
وهو يرفع فنجان القهوة، ابتسم لنفسه.
فكر فجأة:
ربما لم أعتد الوحدة تمامًا…
ربما فقط تعلّمت كيف أعيش معها.
وفي الأسفل، قرب باب البناية، كانت القطة الرمادية تنتظر مساءً آخر.



