تحوّلات الحساسية السردية في القصة السعودية 2-3

بقلم: محمد بن ربيع
“قراءة في مجموعة مواسم الشمس المقبلة” لمحمد علي قدس
ومن الواضح فإن قصص المجموعة تتحرك بين ثلاثة فضاءات كبرى:
1- البيت والأسرة (مواسم الشمس- حزن امرأة مهزومة – عرف الديك – المشوار اللعين )
2- المدينة الحديثة وضغطها (غثاء السيل – الدوامة – وللشيطان حوافر)
3- الفضاء النفسي والوجودي(الخوف من النهاية – المجنونة – وتساقطت أوراق العمر– أقصوصتان للظل والمطر)
بينما تشكل بعض القصص جسورًا رمزية بين الثلاثة (قصة نداء القرية – قصة العاصفة والمهر الأبيض)
وحري بنا القول أن العنوان (مهما اختلفت القصص تحت مظلته) لم يكن اختياراً عابراً فالشمس تقابلها ظلال كثيرة داخل تلك القصص، وهذا التنوع في القصص وفضاءاتها ورهاناتها لا يخرج بالمجموعة عن مزاج شعوري واحد. ويمكن تلخيص الرهانات الدلالية لقصص المجموعة فيما يلي:
| القصة | رهاناتها ومحاورها الدلالية |
| مواسم الشمس المقبلة | الأمل بالتعليم كخلاص من القهر الاجتماعي |
| حزن امرأة مهزومة | انهيار الحب حين تنكشف الخيانة |
| غثاء السيل | الإنسان المعاصر ككائن تجرفه المدينة |
| عرف الديك | فضح الذكورية السلطوية داخل الأسرة |
| وتساقطت أوراق العمر | صراع المرأة مع الزمن والعمر |
| المشوار اللعين | خوف الطفولة تحت سلطة الأب القاسية |
| الدوامة | حيرة الإنسان بين العرف والعدل |
| الخوف من النهاية | القلق الوجودي من المصير المحتوم |
| نداء القرية | الحنين إلى الجذور الأولى |
| العاصفة والمهر الأبيض | صراع البراءة مع العنف |
| وللشيطان حوافر | غواية الشر الكامنة في النفس |
| المجنونة | الجنون كاحتجاج على الواقع |
| أقصوصتان للظل والمطر | العاطفة الإنسانية تحت ضغط الشك والخيانة |
لغة المجموعة:
اللغة في «مواسم الشمس المقبلة» ليست مجرد أداة نقل، بل هي المجال الذي تتخلق فيه الأحداث، ذلك أن قصص المجموعة لا تُكتب ثم تُصاغ لغوياً، بل تتكوّن داخل اللغة نفسها، وسوف نتأمل مختلف الجوانب التي تغوص في تلك اللغة فتتناولها من الداخل وليس من الخارج:
أولا: هي لغة مناخية لا سردية
الجملة في بعض القصص لا تخبرك بما يحدث، بل تُدخلك في الجو الذي يحدث فيه كل شيء، لأنها تُراكم الإحساس وتبني ضغطًا شعوريًا وتصنع جوًا مشحونًا لتحاصر القارئ لا لتُرشده. والمثال تجده بوضوح في قصة مواسم الشمس المقبلة (ص 13–18) حيث يتقدّم النص عبر تراكمات شعورية لا عبر أحداث متعاقبة، وهنا لا تجد أن القارئ يتابع، بل يتنفس بصعوبة مع النص.
ثانياً: هي لغة كثافة لا اقتصاد: الجملة ليست قصيرة حادة كما في السرد الواقعي الاجتماعي، ولا طويلة موسيقية كما في الرومانسية الكلاسيكية. بل هي: جملة مشدودة الأعصاب، محمّلة بإيحاءات متراكبة، تميل إلى التضييق لا الانسياب تبدو وكأنها مكتوبة تحت ضغط داخلي.
ثالثاً: لغة إيحائية: تفضل الإيحاء قبل التسمية، لا تسمّي الانفعال غالباً، بل تحيط به من الخارج. لا تقول عن شخصية أنها خافت، بل تجعلك تعيش شروط الخوف. لا تقول عن شخصية أخرى أنها ارتبكت بل تخلق بيئة إدراكية مرتبكة، تعمل بطريقة التجسيد الشعوري غير المباشر.
رابعاً: لغة يتجلى فيها الحضور الحسّي الضبابي: المدركات الحسية موجودة دون شك، لكن ليس بوصفها صورًا واضحة، بل بوصفها: ظلالًا وتوترات وإشارات غير مستقرة، الحواس في لغة هذه المجموعة ليست أدوات معرفة، بل أدوات قلق!
خامساً: مجازاتها للضغط وليست للتزويق: الاستعارات والمحسنات في هذه المجموعة ليست استعراضات شعرية تجميلية، بل أداة تشويه إدراكي. مجاز يعكر صفاء الرؤية ليكثف الشعور بالتهديد فيخلق واقعًا غير مستقر وكأن اللغة نفسها تتعرض لتشويش داخلي.
سادساً: لغة ذات إيقاع فسيولوجي يشبه نبض الجسد: إذا أصغينا جيدًا، سنلاحظ أن الجملة في هذه المجموعة تتحرك مثل نبض متوتر: تمدد، انقباض، توقف، توتر، تمدد…وهذا ليس إيقاعًا موسيقيًا، بل إيقاع فسيولوجي تقريبًا، وكأن للجملة شهيقاً وزفيراً.
سابعاً: لغة ضبابها محسوب الدلالة: النص لا يقدم وضوحًا معرفيًا كاملاً. هناك غموض لاشك، لكنه غموض يشكل استراتيجية شعورية، وليس غموض العاجز. في هذه المجموعة ترى القارئ لا يفهم كل شيء، لكنه يشعر بكل شيء. وهذا فرق أسلوبي عميق.
ثامناً: لغة تراوح مفرداتها بين المألوف والمشحون: المفردات غالبًا مألوفة، لكن السياق يشحنها نفسيًا، والكلمة في حد ذاتها لا تتغير، غير أن وظيفتها هي التي تتغير. فتتحول اللغة اليومية إلى لغة توتر.
تاسعاً: لغة تجانب الخطابية التفسيرية: لا توجد جمل تفسيرية أو تحليل نفسي مباشر، فاللغة هنا لا تشرح ولا تفسر ولا تحلل هي فقط تُنتج الحالة.
عاشراً: لغة طابعها الداخلي أقوى من نزوعها التواصلي المباشر: هذه نقطة جوهرية جدًا، فلغة المجموعة لا تسعى إلى “التواصل” مع القارئ بالمعنى التقليدي للتواصل، بل يعنيها أكثر أن تدخله في تجربة إدراكية، ذلك أن المؤلف قد اختط لها أن تكون لغة عيش لا لغة بلاغ.
من خلال ذلك كله يمكن لنا تعريف لغة القاص محمد علي قدس بأنها:
لغة توتر إدراكي، لغة مناخ نفسي، لغة كثافة انفعالية، لغة إيحاء لا تقرير، لغة تعيش في الحافة بين الشعر والسرد. ليست شعرية بالمعنى الغنائي، بل شعرية قلقة مضغوطة. ومجمل القول: فإن لغة محمد علي قدس في هذه المجموعة ليست لغة تصف القلق، بل لغة تتخلق من القلق نفسه.
(تابع الجزء الأخير في الأعداد القادمة)



