حين تُستثمر البساطة… بين الظهور والاستغلال

محمد بن مسعود العُمري
ليست النوايا ممّا يُدرك بالعين، ولا ما تُخفيه الصدور ممّا يُقاس بالمظاهر؛ غير أن ما يظهر في ساحات التواصل يكشف أنماطًا من السلوك تستحق الوقوف عندها، لا للحكم على القلوب، بل لتقويم الأثر.
في منصّات التواصل، لا تسير الأمور على وتيرة ثابتة، بل على هيئة موجات؛ يبرز فيها أشخاص ببساطةٍ عفوية، يقدّمون حياتهم على سجيتهم دون تصنّع أو تكلّف. وهذه النماذج، في الغالب، تأتي من بيئاتٍ محافظة وبسيطة، كأهل القرى والأرياف، حيث العفوية أقرب، والتكلّف أبعد.
لكن هذه البساطة نفسها تتحوّل، في بعض الأحيان، إلى مادة جذب، تستدعي فئةً من متصدّري المشهد، ممن يجيدون استثمار اللحظة؛ فيقتربون من تلك الشخصيات، ويقدّمونها في قوالب جذابة، لا لذاتها، بل بوصفها وسيلةً لرفع نسب المشاهدة، أو تمرير رسائل تسويقية لا تخلو من مبالغة.
وهنا يبدأ التحوّل: من حضورٍ عفوي إلى عرضٍ موجَّه، ومن إنسانٍ بسيط إلى واجهة إعلان، ومن قصةٍ صادقة إلى مادةٍ قابلة للاستثمار.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ تتسع الدائرة حين يُدفع المتابع، بدافع التعاطف أو الإعجاب، إلى التفاعل مع محتوى لم يُبنَ على وعيٍ كافٍ؛ فتُرفع الأرقام، وتُضخَّم المشاهدات، ويُظنّ أن النجاح قد تحقق، بينما الحقيقة أن كثيرًا من ذلك نجاحٌ عابر لا يقوم على قيمةٍ راسخة.
والمؤلم في هذا المشهد أن بعض أولئك البسطاء، ممن لم يطلبوا الشهرة أصلًا، يجدون أنفسهم في دائرة الضوء دون إدراكٍ كامل لتبعاتها؛ ثم لا يلبث أن ينصرف عنهم من صعدوا بهم بعد أن تُستوفى الغاية، وكأن العلاقة لم تكن إلا مرحلة عابرة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول: ليس كل من ظهر في هذه المنصّات مُسيئًا، ولا كل محتوى استثماريٍّ مذمومًا؛ فثمة من أحسن الاستخدام، وراعى كرامة الإنسان، وقدّم محتوى نافعًا، وجعل من الظهور وسيلةً للبذل لا للاستغلال.
غير أن الفارق الدقيق يكمن في: النية، والطريقة، والأثر.
فحين يُحفظ للإنسان قدره، وتُصان كرامته، ويُقدَّم بصدق، يكون الظهور نعمة.
أما حين يُختزل إلى وسيلة، ويُستدرج إلى ما لا يعيه، فذلك لون من الاستغلال، وإن تزيّن بمظاهر الإحسان.
إن المجتمع لا يقوم على استعراض الفوارق، بل على ردمها، ولا ينهض بتكثير الصور، بل بتعظيم القيم. ومن حق البسيط – أيًا كان موطنه – أن يُحترم، لا أن يُستغل، وأن يُقدَّم بكرامة، لا أن يُستخدم كوسيلة.
وفي الختام، تبقى المنصّات أدوات، لا تُمدح لذاتها ولا تُذمّ بذاتها؛ وإنما يُحمد أو يُذمّ ما يُصنع بها. فليكن حضورنا فيها وعيًا ومسؤولية، لا اندفاعًا ولا انتهازًا، ولنجعل من كل ظهورٍ قيمةً تُضاف، لا أثرًا يُمحى.
كما أن على المتلقّي دورًا لا يقلّ أهمية؛ فعدم الانقياد خلف المحتوى الفارغ، وعدم منحه التفاعل الذي يُضخّم حضوره، هو أول خطوة نحو ترشيد هذا المشهد. فبقدر وعي الجمهور، يرتقي المحتوى أو يهبط.


