تحوّلات الحساسية السردية في القصة السعودية 3-3

بقلم: محمد بن ربيع
“قراءة في مجموعة مواسم الشمس المقبلة” لمحمد علي قدس
المعجم الشعوري للمجموعة:
تتشتت مفردات هذا المعجم وتتناثر على سطح قصص المجموعة، لكنها قابلة للتصنيف في حقول سبعة:
أولًا: الحقل المركزي.
ويمكن وصف مفردات هذا الحقل بأنها مفردات الضغط والاختناق، وتتضمن الألفاظ الصريحة أو الإيحائية أو الإيمائية التي تفيد هذا المعنى، ومنها: انقباض، شدّ داخلي، توتر، ضغط، ضيق، اختناق، انحباس، ثقل داخلي، احتباس الشعور.
وبالتأكيد فإن هذه الألفاظ لا تشير إلى حالات عابرة، أو إلى أوصاف جوفاء، بل هي تمثل الوضع الطبيعي للذات داخل النص، وتؤدي وظيفة شعورية تقول لنا بأن الوجود يُعاش كحالة ضغط مستمر لا كمساحة مفتوحة.
ثانيًا: حقل القلق والترقب
إذا كان الضغط هو الحالة التي ينتظم بها الحدث، فالترقب هو الزمن الذي تعيش فيه ذلك الحدث. ومن صريح مفرداته أو إيحاءاته وإيماءاته نجد: انتظار، ترقب، خوف قادم، إحساس بالتهديد، توجس حذر، ارتياب، شيء ما سيحدث. كل هذه المنتظرات تظل غير محددة المصدر، وتظل تلك المفردات تؤدي وظيفة شعورية تقول لنا بأن المستقبل ليس بالضرورة أملا بل فيه احتمالات تهديد نافذة.
ثالثًا: حقل الاضطراب الإدراكي
مفردات هذا الحقل ترى أن الذات لا ترى العالم بوضوح ولكن تراه عبر فلاتر ضبابية. ومن تلك المفردات: ارتباك، تشتت، ضباب، عدم وضوح، اهتزاز، تشوش، تذبذب، عدم يقين. وهي مفردات تؤدي وظيفة شعورية تخبرنا أن المشكلة ليست في الواقع فقط، بل في القدرة على إدراكه أيضاً.
رابعًا: حقل الهشاشة والانكسار الداخلي
مفردات هذا الحقل ترى أن الذات ليست صلبة بل قابلة للتصدع. ومنها: ضعف، انكسار، وهن، انهيار، فقدان التوازن، تعب نفسي، استنزاف، استسلام جزئي. وجميعها تؤدي وظيفة شعورية تقول لنا أن الذات تحت الضغط وليست أمامه.
خامسًا: حقل العزلة الشعورية
وليست عزلة اجتماعية فقط، بل عزلة إدراكية. ومن مفردات هذا الحقل: انطواء، انسحاب، صمت، انفصال، وحدة داخلية، انغلاق، ابتعاد. وهي مفردات تؤدي وظيفة شعورية مفادها أن التجربة لا تُشارَك، بل تُحتمل فرديًا.
سادسًا: حقل التهديد الغامض
وهذا حقل بالغ الأهمية في هذه المجموعة، ويغلب عليها الطابع الإيحائي لا المباشر، ومنها: مواسم، قادم مجهول، شيء ثقيل، ظل، اقتراب، اندفاع، قوة غير مرئية. وهي تؤدي وظيفة شعورية مؤداها أن الخطر ليس له جلبة بل يهبط كما تهبط شبكة الصياد لأنه منتشر في الجو نفسه.
سابعًا: حقل الاحتباس والانفجار المؤجل
وهذا الحقل يربط بين كل ما سبق لأنه يحتوي على المقدمات والنتائج، ومن مفرداته: كبت، احتجاز، توتر، متراكم، تراكم، انفجار محتمل، اندفاع مكبوت. وجميعها تؤدي وظيفة شعورية تقول لنا أن التجربة ليست فقط ضغطًا، بل ضغطًا قد يفضي إلى انفجار.
والآن، ماذا يخبرنا هذا المعجم بشكل إجمالي؟
عند جمع الحقول كلها نجد أن التجربة الشعورية في مجموعة مواسم الشمس المقبلة تتكون من أربع طبقات متراكبة:
*ضغط دائم
*ترقب تهديد
*إدراك مضطرب
*ذات هشّة تحتمل
وهذه ليست مشاعر متفرقة، بل نظام شعوري واحد متكامل. نظام لا يدور حول: (الحب، الفقد، الحنين، الألم الأخلاقي، الصراع الاجتماعي) بل يدور حول: (الضغط، التوتر، الترقب، الانقباض، الخطر، الهشاشة) وهذا يجعل تجربة المؤلف في هذه المجموعة أقرب إلى: قلق وجودي مناخي (لا فلسفي) وتوتر نفسي مستمر وحساسية عالية تجاه التهديد.
النظم الدلالية في معجم مواسم الشمس:
وهذا يأخذنا إلى إعادة تفكيك المعجم على مستويات متعددة من المعنى و كشف بنيته الأنطولوجية والنفسية والبلاغية ضمن خمس طبقات تحليلية متراكبة:
أولًا: الطبقة الفينومينولوجية (كيف تُعاش التجربة؟)
معجم مواسم الشمس ليس معجم مشاعر بالمعنى العادي، بل معجم أحوال وجودية معاشٌ جسديًا. لاحظ طبيعة الألفاظ الأساسية: ضغط، انقباض، احتباس، ثقل، شد، ضيق، إنها ليست مشاعر نفسية مجردة، بل هي أوصاف حسية جسدية وتجارب فيزيائية للوجود، بمعنى أنها تجليات شعورية لا تُفهم فكريًا، بل تُعاش عضويًا. والنتيجة الفينومينولوجية هنا أن الإنسان في هذا العالم لا يشعر بالخوف بل يختبر الخوف كحالة جسدية للوجود، و الوجود نفسه يتحول إلى إحساس عضلي متوتر.
ثانيًا: الطبقة الأنطولوجية (ما صورة الوجود التي يبنيها المعجم؟)
إذا جمعنا المفردات الشعورية في معجم مواسم الشمس، سنلاحظ أنها تشترك في خاصية واحدة نختصرها في عبارة: الوجود ليس فضاء، بل ضغطًا.
لا توجد مفردات: اتساع وانفتاح أفق وإمكان حركة حرة بل مفردات: تضييق، احتباس، انغلاق توتر، والنتيجة الأنطولوجية أن العالم في مواسم الشمس ليس مكانًا يُسكن، بل قوة تُمارس على الكائن. والوجود ليس “مجالًا للحياة” بل “حالة انضغاط مستمرة”. وهذا تعريف وجودي بالغ العمق.
ثالثًا: الطبقة السيكولوجية العميقة (ما معالم بنية اللاوعي؟)
لو قرأنا معجم المفردات الشعورية في مجموعة مواسم الشمس المقبلة بمنظار التحليل النفسي، فإننا سنلاحظ بنية محددة جدًا، تأخذ ملامحها من المحددات التالية: تهديد غير محدد المصدر، قلق دائم بلا موضوع واضح، توتر متراكم، غياب التفريغ، احتمال انفجار، هذه بنية نفسية معروفة جدًا، لنا أن نسميها بنية القلق الصدموي المزمن أي: النفس المستنفرة التي تعيش في حالة استعداد دائم لخطر لم يحدث بعد، لكنه متوقع دائمًا.
رابعًا: طبقة المستوى البلاغي (كيف تبني اللغة هذا المعجم؟)
معجم مواسم الشمس لا يعمل فقط عبر الكلمات، بل عبر بنية لغوية مولِّدة للتوتر، وفق ثلاث تقنيات بلاغية مركزية:
أولها: التجسيد الفيزيائي للشعور. حيث تصاغ المشاعر كقوى مادية: (تضغط، تثقل، تنقبض، تحتبس) ثم يغدو الشعور أشبه بقانون فيزيائي. ثانيها: الإيحاء غير المكتمل، حيث المفردة لا تُغلق معناها، بل تتركه مفتوحًا ومهددًا(ظل، اقتراب شيء قادم) كما تراها تبدو ألفاظاً ناقصة التحديد، وكأن اللغة هنا تخلق تهديدا لا يمكن الإمساك به. ثالثها: التراكم بلا تفريغ، حيث الجمل لا تنفجر دلاليًا، بل تتراكم. وهذا يعيد إنتاج بنية الاحتباس نفسيًا داخل اللغة نفسها، وكأن الأسلوب يعيد إنتاج التجربة نفسها
خامسًا: طبقة الرمزية العميقة (ما الدلالة الحضارية؟)
وهنا نصل إلى القراءة الأعمق. لماذا هذا المعجم تحديدًا؟ لماذا عالم من الضغط والتهديد والاحتباس؟ هذا المعجم يشير إلى تجربة حضارية محددة بأربع محددات: أن الإنسان داخل قوة أكبر منه لا يفهمها، وأن التحولات قادمة ولا يمكن التحكم بها، وأن الزمن نفسه يشعرك بأنه يضغط، وأن أي مخرج محتمل يظل مخرجاً نفسياً أكثر منه حلاً واقعياً. وكأن المعجم لا يصف نفسية فرد بعينه، بل يقارب شعورا جمعياً.
والخلاصة: فإن معجم مواسم الشمس ليس مجرد معجم انفعالات، بل هو تجربة جسدية للوجود، ورؤية أنطولوجية للعالم، وتقنية بلاغية لإنتاج التوتر، وإحساس حضاري بالتحول. وإن الصياغة النقدية الأعمق الممكنة يمكن اختصارها في العبارة التالية: المعجم الشعوري في «مواسم الشمس المقبلة» هو نظام لغوي يجسد تجربة وجودية للإنسان بوصفه كائنًا واقعًا تحت ضغط كوني غير مرئي، يعيش في ترقب وقلق.



