مقالات

بين فوضى التفكير وقلق المعرفة

بقلم: صفاء الأحمد

قرأتُ في السنوات الأخيرة كتبًا تقف على الحدّ الفاصل بين العلم بوصفه معرفة، والحياة بوصفها تجربة، لم أكن أبحث فيها عن معرفة خالصة بقدر ما كنت أقترب من شكل آخر للفهم؛ فهم يمرّ عبر الذهن قبل أن يستقرّ في الفكرة.
أذكرُ منها:
– الكون في قشرة جوز
– ونظرية الفوضى
– متعة اكتشاف الأشياء
– أوهام الإلحاد العلمي

أما كتاب متعة اكتشاف الأشياء، فكان استثناءً في تجربتي؛ إذ أعادني إلى القراءة بعد انقطاع بوصفه تجربة ذهنية مفتوحة.

أحاديث فاينمان مربكة على نحو لافت، وتكاد تحاكي في بنائها تدفّق الحكاية الشفوية؛ تبدأ من تفصيلة قريبة ومألوفة، ثم تنزلق تدريجيًا إلى آفاق بعيدة دون تمهيد كاف.
هذه العشوائية الظاهرة لا يمكن التعامل معها كعيبٍ صرف، لكنها في الوقت نفسه لا تُمنح صفة الميزة الكاملة.
ثمة تشتّت وتشعّب، وتركٌ متكرر لأسئلة كبرى دون أن يمنحك زمنًا كافيًا لرؤية ما فيها.

يأتي هذا الاضطراب اللذيذ من انعكاس طبيعة الذهن الذي يُنتج هذا النوع من الكتابة؛ ذهن يجاور الفكرة ويختبرها ثم يتركها مفتوحة.
بدا الكتاب من هذه الزاوية تحديدًا على ما فيه من تشتت الأقرب إلى الصدق، والأكثر قدرة على تمثيل التجربة الذهنية دون تزيين أو ترتيب.

لا يُقرأ هذا النوع من الكتب بحثًا عن قيمة علمية دقيقة؛ فمجالي العلمي هو الرياضيات.
ما يجذبني هو تتبّع حركة التفكير؛ كيف يتشكّل السؤال، وكيف يتفرّع، وكيف يمكن أن يقود إلى مناطق غير متوقعة؟
تمنحك هذه الكتب فرصة تصفّح رأس عالم بكل ما فيه من قلقٍ معرفي، وقفزات ذهنية، وفوضى ظاهرة لا تخلو من نظام داخلي خفي.

ومن هذه النقطة تحديدًا انبثق سؤال يطرحه الكثيرون؛ لماذا يبدو بعض النوابغ خصوصًا في الحقول العلمية أقل انسجامًا على المستوى الاجتماعي؟
غالبًا لا يتعلّق الأمر بغياب الكفاءة!

طبيعة الاشتغال الذهني عند هذه الفئة من البشر لا تتحرّك داخل يقين ثابت؛ كل الإجابات لديهم تظلّ مؤقتة، وكل فكرة قابلة للمراجعة، وكل بناء معرفي مهدّد بإعادة التفكيك.
هذه الحركة المستمرة لا تتيح مساحة كافية للثبات النفسي الذي يتغذّى عادة على الوضوح والاستقرار.

في هذا السياق، يطرح فاينمان تساؤلًا يبدو بسيطًا في ظاهره وعميقًا في دلالته:
كيف يمكن للإنسان أن يظلّ بعيدًا عن المعرفة، ومع ذلك يحتفظ بقدر ملحوظ من الرضا؟

لعلّ الأمر يرتبط بطبيعة العلاقة مع اليقين.
يُقدّم الجهل في حدوده المبسّطة صورة مكتملة، حتى وإن كانت واهية، ويوفّر إجابات جاهزة، ويمنح إحساسًا بالاستقرار.
أما الوعي فيدفع باتجاه نقيض ذلك؛ يوسّع دائرة الأسئلة ويقلّص مساحة الاطمئنان، ويضع الفرد في منطقة لا تُحسم فيها الأمور بسهولة.

ما يُطرح هنا ليس تفضيلًا أخلاقيًا بقدر ما هو توصيف لحالة إنسانية مفادها أن موقع المرء من الطمأنينة يتحدّد وفق ما يمكن احتماله من قلق معرفي.
بين نعيم الجهل وجحيم الوعي، لا يجري الاختيار دائمًا بوضوح، لكن يمكن لمس نتائجه بوضوح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com