مقالات

السعودة وأرجوحة التوطين

بقلم: فلاح بن علي الزهراني
يعد التوظيف عملية نسبية متذبذبة بطبيعتها، تُشكّل فيها الندرة والتخصص الدقيق عاملاً استراتيجياً حاسماً لضمان جودة المنتج، سواء أكان بشرياً أم مادياً. لذا، ينبغي التركيز على بناء رأس المال البشري الوطني كأولوية قصوى، مع تحقيق التوطين الكامل لهذه الكفاءات النوعية. فابن الوطن يمثل القيمة الحقيقية، بل الاعتمادية والاستقرار. وهو الضمان لاستمرارية العمل وجودته، في حين يظل الوافد عنصراً مؤقتاً، مهما طالت مدة إقامته أو قصرت، وفقًا لرغبتة في الاستمرار، أو لاستغناء صاحب العمل.

مع أن التصريحات الرسمية تفيد بانخفاض البطالة، إلا أن النسب الحالية للتوطين تكشف عن خلل واضح في معادلة التوطين، يتعارض مع خطة الإحلال الوظيفي ومستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى رفع نسبة مشاركة المواطنين تدريجياً. فقد كشفت الإحصاءات الأخيرة أن نسبة السعودة لا تتجاوز 23% (أي نحو 3.1 ملايين سعودي)، مقابل 77% (أي 10.6 ملايين أجنبي). وهذه النسبة غير المتكافئة تثير استفهامات مفتوحة:
• ما هي المؤهلات والمهارات التي يتمتع بها هؤلاء الأجانب، فيما يفتقر إليها المواطن السعودي؟
• هل تعكس هذه الظاهرة عدم ثقة في رأس المال البشري السعودي، أم حكماً بفشل مخرجات التعليم الجامعي المحلي أو برامج الابتعاث؟
• ما دور وزارة الموارد البشرية والجهات الرقابية في ضبط عمليات التوظيف، والرقابة الفعالة على المنشآت الحكومية والخاصة؟
• لماذا يحصل الوافد على رواتب فلكية مفتوحة، بينما يحصل السعودي — مهما بلغت مؤهلاته ومسؤولياته — على أجور متواضعة لا تلبي متطلبات الحياة الكريمة، خاصة مع ارتفاع أسعار الإيجارات وتفاقم تكاليف المعيشة؟
• ألم يحن الوقت للتخلص من “عقدة الأجنبي” التي سيطرت على بعض العقول لسنوات طويلة، خاصة بعد أن أثبت السعودي قدرته على التميز في العلم والعمل بمهارة وذكاء استثنائيين؟
• الانعكاسات السلبية لإقصاء السعودي وتفضيل الوافد:
إن استمرار إغفال الكفاءات الوطنية وتفضيل الوافدين يمثل خطراً حقيقياً يهدد مستقبل الوطن، ويتناقض مع أهداف رؤية 2030.
ومن أبرز هذه الانعكاسات المدمرة:
• هدر الطاقات الوطنية وتعطيل قوى الشباب:
مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة وإضاعة سنوات العمر دون اعتمادية أو إنتاجية.
• الآثار النفسية والصحية:
يؤدي الإحباط الناتج عن البطالة وفراغ الوقت إلى الخمول، والاكتئاب، والاضطرابات النفسية، وفقدان الشباب للهمة والنشاط.
• الكساد الاقتصادي:
فالعائد الوظيفي للمواطن ينعش السوق المحلي من خلال تدوير الدخل وإنعاش الحركة التجارية.
• تفاقم مشكلات الزواج والأسرة:
إذ يؤدي عدم وجود دخل مستقر إلى تأخر الزواج، وزيادة ظاهرة العزوبية والعنوسة، وارتفاع معدلات الطلاق نتيجة الضغوط المادية.
• شيخوخة المجتمع:
بسبب انخفاض معدلات الزواج والإنجاب، مما ينذر بتناقص القوى البشرية على المدى المتوسط والبعيد.
• تعريض المصالح الوطنية للخطر:
– حال إشغال الوافد وظيفة أو منصب ذي حساسية أمنية أو اقتصادية استراتيجية عالية، كالعمل في شركات الاتصالات، أو شركات الأمن السيبراني، أو غيرها من الجهات والشركات الوطنية الحيوية.
– بصفة الوافد يعمل أساساً لمصلحته الشخصية، وقد يغادر فجأة بعد تحقيق أهدافه، دون نقل المعرفة أو تهيئة بديل وطني.
• الإقصاء المهني والتمييز:
يميل بعض الأجانب في المناصب العليا إلى توظيف أبناء جلدتهم، والتخلص من السعوديين بطرق تعسفية خوفاً من المنافسة.
• حرمان السعودي من التدريب والتطوير:
مما يؤدي إلى تجهيل الكفاءات الوطنية وإضعاف قدراتها التنافسية.
• استغلال ذريعة “عدم الخبرة”:
وذلك بجعل الخبرة متطلبًا للتوظيف، تستغل كمبرر لعدم توظيف السعوديين، مع عدم إلزام الشركات بتوظيفهم وتأهيلهم وفقًا لمؤهلاتهم.
• استمرار عقدة الأجنبي:
التي تؤدي إلى تضخم رواتب الأجانب بشكل غير مبرر، مقارنة بأجور السعوديين الذين قد يفوقونهم تأهيلًا أو تصنيفًا.
• ضعف الحوكمة وزيادة مخاطر الفساد:
إذ يسهل وجود الأجانب في المناصب العليا عمليات التحايل وتسريب الأموال إلى الخارج.
• تعداد الوافدة والأثر العكسي:
تكدس أعداد الخريجين من الجامعات المحلية وبرامج الابتعاث في تخصصات يسيطر عليها الوافدة – وبعضهم بمؤهلات أدنى – يُعد إقصاءً للكفاءات الوطنية، وتهاوناً في حق أبناء الوطن، وإضعافاً للاقتصاد الوطني، وتعطيل برامج التوطين.
• مسك الختام:
إن تحقيق التوطين الحقيقي ليس مجرد هدف اقتصادي، بل هو قضية وطنية تمس الهوية والأمن الاجتماعي والتنمية المستدامة. ولا سبيل إلى بناء وطن مزدهر إلا بتمكين أبنائه أولاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com