(نظّارة أبي)

محمد محسن الغامدي
عند وفاة والدي رحمه الله شرقت بحزني ، فقد كان الوالد والصديق الصدوق وراوي الشعر المتمكن الذي يزفّ اليّ عرائس الشعر صباح مساء وإن كان شعراً شعبياً محلياً إلا أنه كان رحمه الله يشرح ويموسق ويتفاعل مما يجعلني أتماها مع تلك المعاني الجميلة وأحلم أن أقول مثلها عندما أكبر فترقص القرية وتتقافز الحصون طرباً فأصير شاعر القبيلة٠٠٠
كان والدي يخفي عينيه دائماً خلف نظارة سوداء فلا يرى الناس ما أصابهما من حوادث الدهر ولا أستطيع أنا أن أرى ارتعاشتهما وبريقهما البدويّ وهو ينشد، لكنني كنت أرتوي بفيض مشاعره وحماسه القبلي القديم يتراكم في ذاكرتي الصغيرة.
رحمك الله يا أبي ،قبل يومين ارتبكت ولم أعثر على نظارتي الشمسية وخطيب الجمعة قد اعتلى المنبر فوضعت نظارة أبي التي احتفظ بها للذكرى على عيني عندها حاصرتني نفحات عطوره الزيتية وأحاطتني القوافي المؤثرة التي سقاني رحيقها فبلل الدمع وجنتيّ٠



