دراسة: إشغال الدماغ بالهاتف في أوقات الفراغ مرهق مثل دوام العمل

الاتجاه ـ متابعات
يظهر الهاتف في المصعد، وفي صف الدفع، وفي التسعين ثانية التي يستغرقها الميكروويف للتشغيل.
نستمع إلى شيء ما في كل نزهة وخلال كل رحلة ذهاب وعودة.
نتناول الطعام مع وضع حاجز زجاجي أمام كأس الماء.
بمجرد انتهاء مهمة ما، وقبل أن نشعر حتى بفترة راحة، نكون قد انتقلنا بالفعل إلى الشيء التالي الذي يجب النظر إليه.
هناك دائماً ما يملأ الفراغ ، ونحن دائماً نملأه.
ينبغي أن نكون أكثر الناس استرخاءً على الإطلاق – ترفيه لا ينضب، ورفقة لا تنتهي، وعالم كامل من وسائل الترفيه في متناول أيدينا. لكن بدلاً من ذلك، يشعر الكثير منا بالإرهاق الشديد بطريقة يصعب وصفها.
ننام ونستيقظ متعبين. نرتاح ولا نشعر بالراحة.
قد يميل المرء إلى إلقاء اللوم على ضغط العمل. لكن بعض أكثر الأشخاص إرهاقًا الذين نعرفهم (بمن فيهم نحن) لا يبذلون جهدًا أكبر مما كان يبذله الناس قبل عقود. ثمة شيء آخر يُرهقنا، وهو مرتبط بما توقفنا عن فعله أكثر مما يرتبط بما نفعله.
المشي إلى الحافلة حيث لا ترى سوى الطبيعة أو المنازل. الانتظار في عيادة الطبيب، حيث ربما تكون قد تصفحت مجلة أو راقبت الناس. غسل الأطباق، والقيادة إلى المنزل، والدقائق القليلة التي تقضيها مستلقيًا في السرير قبل النوم دون أن تفعل شيئًا سوى ترك اليوم يهدأ.
كانت تلك فجوات – هواء ساكن عادي بين الأشياء المهمة. ودون أن نلاحظ، تم ملء كل واحدة منها.
كل عملية استبدال فردية تبدو وكأنها ترقية.
لماذا نحدق في محطة الحافلات بينما يمكننا متابعة الأخبار؟ لماذا نغسل الأطباق في صمت بينما يمضي الوقت سريعًا مع البودكاست؟ يبدو الأمر وكأنه امتياز مجاني. لكن إذا جمعنا كل ذلك على مدار اليوم، فسنجد أننا فعلنا شيئًا لم نكن ننوي فعله أبدًا: لقد حوّلنا كل لحظة فراغ تقريبًا إلى لحظة أخرى نستوعب فيها شيئًا ما.
إذن، اليوم حافلٌ كما يبدو، لكن الكثير مما يملأه ليس عملاً، بل هو مدخلات. والمدخلات، حتى الممتعة منها، لا تُغني عن الراحة.
يكمن في طيات كل هذا الحشو افتراضٌ مفاده أن العقل غير المشغول هو عقلٌ ضائع. يبدو الوقت الفارغ كأنه عقلٌ خامل، لذلك نمنحه شيئاً ليفعله.
لكن الدماغ لا يبقى خاملاً.
عندما نتوقف عن تزويدها بالمدخلات، فإنها لا تتوقف عن العمل، بل تنتقل إلى مهمة أخرى. تصف عشرون عامًا من أبحاث تصوير الدماغ وضعًا افتراضيًا : شبكة تهدأ لحظة تركيزنا على مهمة ما، وتنشط لحظة توقفنا عنها، سواء كنا نحدق من النافذة، أو نغسل الأطباق، أو نترك عقولنا تسبح في الخيال.
يكون في أوج نشاطه تحديداً عندما لا يتطلب أي شيء خارجي انتباهنا. وهو لا يستريح.
هذا هو النظام الذي يُرتب أحداث اليوم، ويُعيد النظر في المحادثات التي لم تكن مُريحة، ويربط ما قرأناه هذا الصباح بمشكلةٍ شغلتنا طوال الأسبوع. وهو أيضاً المكان الذي يُواصل فيه الدماغ بناء إحساسنا بهويتنا ومسارنا في الحياة.
بمعنى آخر، لم تكن اللحظات الفارغة فارغة أبدًا.
كانت تلك هي اللحظة التي تُنجز فيها العمليات الإدارية – من حفظ الملفات وفرزها وفهم الأمور التي لا يمكن إنجازها بينما ينشغل العقل بقراءة التعليقات والرد على الرسائل. عندما تستمر هذه العمليات في التعطل، لا تُحفظ الملفات. تتراكم المهام نصف مُرتبة، وهذا جزء من سبب شعورنا بالتأخر في حياتنا دون أن نعرف السبب تحديدًا.
وتتوقف الشبكة عن العمل في اللحظة التي نعطي فيها الدماغ شيئًا ما للنظر إليه. بودكاست، أو موجز، أو برنامج – كل منها مهمة خارجية، وكل منها يعلق العمل الداخلي.
لذا، في كل مرة نملأ فيها فراغاً، فإننا لا نضيف راحة إلى يوم كامل، بل نزيل نوع المعالجة الوحيد الذي كان يعتمد عليه اليوم.
جزء من الإجابة هو أن البقاء بمفردنا مع عقولنا يتبين أنه أمر صعب بشكل مدهش.
في سلسلة من الدراسات التي باتت مشهورة ، ترك الباحثون أشخاصاً بمفردهم في غرفة فارغة لمدة ست دقائق فقط، دون أن يكون لديهم ما يفعلونه سوى التفكير. وجد معظمهم الأمر مزعجاً، وتمنّوا أن ينتهي.
في إحدى الروايات، احتوت الغرفة أيضاً على زر يُطلق صدمة كهربائية خفيفة، وهو أمرٌ سبق أن صرّح الأشخاص أنفسهم بأنهم سيدفعون المال لتجنّبه. لكنّ نسبةً كبيرةً منهم، ولا سيما الرجال، ضغطوا عليه رغم ذلك، مفضلين على ما يبدو ألم الصدمة على قضاء بضع دقائق بمفردهم مع أفكارهم.
النسخة الشائعة – التي تقول إن الناس يفضلون الصدمة على التفكير – تبالغ في الأمر؛ فالكثيرون كانوا يجلسون في حالة رضا تام. لكن النتيجة الأساسية تبقى ثابتة: إن عدم القيام بأي شيء أصعب مما نتوقع، وسنتشبث بأي شيء تقريبًا للخروج منه.
نصل إلى الفجوة ونحن نشعر بعدم الارتياح، ونسعى جاهدين للوصول إليها. ثم هناك قوة ثانية: الأجهزة نفسها.
كل تطبيق مصمم بحيث يكون الشيء التالي على بعد نقرة واحدة بالإبهام – اللحظة الفارغة تُغلق قبل أن نسجلها على أنها فارغة.
والنتيجة هي حالة يُطلق عليها البعض اسم “الانتباه الجزئي المستمر”: لا يركز المرء على مهمة ما بشكل كامل، ولا ينصرف عنها تمامًا، بل يُبقي دائمًا نصف عينه على ما سيأتي لاحقًا. إنه أشبه بالبقاء على اتصال. ويعمل كبرنامج يعمل في الخلفية ولا يُغلق أبدًا، ويستهلك القليل من الطاقة كل ثانية من اليوم.
هذا السحب المنخفض والمستمر هو مصدر الشعور بالتعب إلى حد كبير.



