“الست”.. من وجع البدايات إلى الخلود

بقلم: صفاء الأحمد
انتهيتُ للتو من مشاهدة فيلم “الست” الذي جسّدت فيه منى زكي شخصية أم كلثوم، ووجدتُني مدفوعة إلى تدوين ما أثاره الفيلم في داخلي قبل أن تتبدّد تلك الخواطر.
إذا افترضنا صحة ما عرضه الفيلم من تفاصيل تتعلّق بسنوات أم كلثوم الأولى قبل الشهرة، فإننا نكون أمام نموذج إنساني شديد الثراء؛ نموذج لشخصية أدركت مبكرًا معنى الشغف، فخاضت معاركها ضد الفقر والرفض والقيود الاجتماعية، بدافع حاجة داخلية عميقة إلى التعبير عن ذاتها.
يبدو الإبداع هنا وكأنه شكل من أشكال مقاومة الواقع عبر تحويل الألم والخبرة والموهبة إلى أثر خالد.
وفي زمن يتصاعد فيه الحديث عن قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الأصوات والألحان والأفكار، يذكّرنا هذا النموذج بأن جوهر الفن يكمن في التجربة الإنسانية التي تقف خلف النتاج الفني.
فالآلة قد تقلّد الصوت، وقد تُنتج لحنًا أو نصًا، لكنها لا تختبر الخوف الذي سبق النجاح، ولا الوحدة التي صاحبت الطريق، ولا الانكسارات التي صقلت الروح ومنحت الأداء صدقه وفرادته.
ولعلّ هذا ما يجعلني أرى أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من التطور سيظل أداة قادرة على المساعدة والإبداع التقني، لكنه لن يكون بديلًا كاملًا عن الفنان الذي يسكب شيئًا من حياته في كل عمل يقدّمه، ولا عن الكاتب الذي يودع نصوصه أسئلته وهواجسه وشيئًا من روحه.
حين قالت أم كلثوم بصوتها المجرّد من الموسيقى:
“الصبّ تفضحه عيونه وتنمّ عن وجد شؤونه…”
شعرت أن الكلمات لامست شيئًا في صدري، وحين دخل اللحن بعد ذلك امتدّ أثرها إلى الوجدان كله.
هنا تحديدًا يتجلّى الفن العظيم؛ حين تمتزج أوتار الحنجرة بأوتار العود، فيغدو الصوت أكثر من مجرد نغم، ويصبح تجربة شعورية كاملة تعبر من الفنان إلى المتلقي دون وسيط.
وأعتقد أن سرّ خلود أم كلثوم علاوة على قوة صوتها، كان في قدرتها على أن تجعل المستمع يشعر بأن الأغنية تُغنّى له وحده.
تلك العلاقة النفسية العميقة بين الفنان وجمهوره، وبين الكاتب وقرّائه، هي ما يصنع الفن الخالد، ويجعل بعض اللحظات أكبر من أن تُختزل في تقنيات أو خوارزميات؛ لأنها لحظات إنسانية خالصة.



