بين رفوف المكتبات وأروقة المعارض.. كيف نصنع مجتمعاً يقرأ؟

بقلم : عبدالله آل سالم القحطاني
في زمن أصبحت فيه المعرفة أحد أهم عناصر التنمية والتنافس بين الدول، لم تعد المكتبات العامة مجرد مبانٍ تحتوي على رفوف من الكتب، ولم تعد معارض الكتاب مجرد مناسبات موسمية لشراء الإصدارات الجديدة، بل أصبحت جزءً من مشروع ثقافي متكامل يهدف إلى بناء مجتمع قارئ قادر على التعلم والإبداع والمشاركة في صناعة المستقبل.
وقد تم تحويل المكتبات العامة إلى مفهوم بيوت الثقافة بموجب مبادرة أطلقتها هيئة المكتبات التابعة لوزارة الثقافة عام 2020 ضمن برنامج جودة الحياة ورؤية المملكة 2030. وشهدت هذه المبادرة افتتاح أول (بيت ثقافة) في مايو 2024 في مكتبة الدمام العامة. وتهدف هيئة المكتبات الى تحويل وتطوير وإنشاء 153 بيت ثقافة في مختلف مناطق المملكة بحلول عام 2030. وبدأت برامج ومشروعات تطويرية شاملة هدفت إلى إعادة صياغة مفهوم المكتبة العامة ودورها في الحياة اليومية. وشملت هذه الجهود تحديث المباني والمرافق، وتوفير بيئات جاذبة للقراءة والتعلم، وإنشاء قاعات للفعاليات الثقافية وورش العمل والبرامج التدريبية، بما يجعل المكتبة وجهة متكاملة للأفراد والعائلات.
ومن أبرز ملامح هذا التطوير التوسع في استخدام التقنيات الحديثة والتحول الرقمي، حيث أصبحت الخدمات الإلكترونية والفهارس الرقمية وقواعد البيانات الحديثة جزءً أساسياً من منظومة العمل، الأمر الذي سهل الوصول إلى المعرفة وأتاح الاستفادة من المصادر العلمية والثقافية بطرق أكثر سرعة وكفاءة. كما تم تعزيز المحتوى المعرفي للمكتبات وإثراء مجموعاتها بالكتب والإصدارات الحديثة في مختلف المجالات.
ولم يقتصر التطوير على الجوانب التقنية أو الإنشائية فحسب، بل امتد إلى تعزيز الدور الثقافي والاجتماعي للمكتبات من خلال تنظيم الندوات والأمسيات الأدبية واللقاءات الفكرية وبرامج الأطفال والشباب والأنشطة التطوعية، مما ساهم في تحويل المكتبة إلى مساحة حية للحوار والإبداع وتبادل المعرفة بين أفراد المجتمع.
وتؤمن الجهات المعنية بأن نجاح المكتبات يعتمد بدرجة كبيرة على كفاءة العاملين فيها، لذلك تم تنفيذ برامج لتأهيل وتدريب الكوادر المتخصصة في علوم المكتبات وإدارة المعرفة وخدمة المستفيدين، بما يضمن تقديم خدمات عالية الجودة تتوافق مع أفضل الممارسات العالمية.
وقد شهدت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة حراكاً ثقافياً لافتاً تمثل في تطوير المكتبات العامة، وتنظيم معارض الكتاب في عدد من مناطق المملكة، إضافة إلى دعم المبادرات التي تشجع على القراءة بين مختلف فئات المجتمع. وأصبح من المعتاد أن تستضيف الرياض وجدة والمدينة المنورة والمنطقة الشرقية معارض كبرى للكتاب تستقطب مئات الآلاف من الزوار، ومئات دور النشر من داخل المملكة وخارجها، وقد بلغ عدد دور النشر المشاركة في معرض الرياض الدولي للكتاب في العام الماضي 2025 أكثر من 2000 دار نشر ووكالة من 25 دولة، لتتحول هذه المعارض إلى مناسبات ثقافية ينتظرها القراء والمهتمون بالمعرفة كل عام.
ورغم أهمية هذه المعارض وما تحققه من نجاحات تنظيمية وثقافية، فإن السؤال الأهم يبقى: هل أصبح الكتاب أكثر قرباً من القارئ؟ وهل استطاعت هذه الجهود أن تجعل القراءة جزءً من الحياة اليومية للطلاب والشباب.
الحقيقة أن المكتبات العامة يمكن أن تؤدي دوراً أكبر بكثير مما تقوم به اليوم. ففي العديد من الدول المتقدمة أصبحت المكتبة العامة مركزاً مجتمعياً متكاملاً يوفر المعرفة والتدريب والأنشطة الثقافية والبحثية، ويستقبل الطلاب والباحثين بشكل يومي. كما أصبحت بعض المكتبات شريكاً مباشراً للمدارس والجامعات من خلال برامج القراءة والبحث العلمي والأنشطة التعليمية المختلفة.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز العلاقة بين المدارس والجامعات والمكتبات العامة، بحيث لا تقتصر زيارة الطالب للمكتبة على المناسبات أو الأبحاث الدراسية، بل تصبح جزءً من حياته التعليمية المستمرة. فالطالب الذي يعتاد على القراءة والبحث منذ سنواته الأولى يمتلك فرصاً أكبر للنجاح الأكاديمي والمهني مستقبلاً.
ومع ازدياد الإقبال على معارض الكتاب في المملكة، يلاحظ كثير من الزوار أن أسعار بعض الكتب ما زالت تمثل تحدياً أمام شريحة واسعة من القراء، خصوصاً الطلاب والشباب. فبينما يتوقع الزائر الحصول على عروض استثنائية خلال أيام المعرض، يجد أحياناً أن أسعار بعض الكتب لا تختلف كثيراً عن أسعارها في المكتبات التجارية، بل قد تكون أعلى. ويرجع المشاركون من دور النشر ذلك إلى أعذار وعوامل متعددة تشمل ارتفاع تكاليف الورق والطباعة والشحن والنقل عالمياً، إضافة إلى التكاليف التشغيلية التي تتحملها دور النشر.
ولعل هذه الملاحظة تفتح الباب أمام التفكير في حلول جديدة تجعل الكتاب أكثر إتاحة للجميع، مثل إلزام دور النشر والمكتبات المشاركة بخصم حقيقي على أسعار الكتب، كما يمكن تخصيص أجنحة للكتب المخفضة، أو تقديم قسائم شراء للطلاب، أو عقد شراكات بين المؤسسات التعليمية ودور النشر لتوفير الكتب بأسعار مناسبة، أو إنشاء منصات إلكترونية تسمح بمقارنة الأسعار واختيار العروض الأفضل.
لكن توفير الكتاب وحده لا يكفي لبناء مجتمع قارئ، فالكثير من الدول أدركت أن القراءة تحتاج أيضاً إلى عنصر التحفيز والمنافسة. ولذلك ظهرت مسابقات القراءة التي تحولت في بعض البلدان إلى فعاليات وطنية كبرى. ففي الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمملكة المتحدة وبعض الدول الأخرى، يشارك الطلاب سنوياً في مسابقات تعتمد على قراءة مجموعة من الكتب ثم التنافس في فهمها وتحليلها ومناقشة محتواها. ولا يقاس النجاح بعدد الكتب المقروءة فقط، بل بمدى استيعاب القارئ للأفكار وقدرته على ربطها بالواقع والتعبير عنها بوضوح.
وفي المملكة العربية السعودية توجد بالفعل تجارب ناجحة في هذا المجال، يأتي في مقدمتها تحدي القراءة العربي الذي شارك فيه مئات الآلاف من الطلاب السعوديين عبر السنوات الماضية، إضافة إلى عدد من المبادرات التي أطلقتها الجامعات والمكتبات والمؤسسات الثقافية. وقد أثبتت هذه التجارب أن الشباب السعودي يمتلك شغفاً حقيقياً بالقراءة عندما تتوفر البيئة المشجعة والبرامج المحفزة.
وربما تكون الخطوة القادمة التي نقترحها هي الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى مشروع وطني مستدام للقراءة يربط بين المكتبات العامة والمدارس والجامعات ومعارض الكتاب. ويمكن لهذا المشروع أن يقوم على منافسات تبدأ داخل المدارس ثم تنتقل إلى مستوى المحافظات والمناطق وصولاً إلى نهائيات وطنية تقام ضمن فترة معارض الكتاب الكبرى، تنظم بشكل مهيب ومشرًف في قاعات احتفالات رسمية يحضرها رجالات التعليم والمفكرون والأدباء وكبار مسؤولي الدولة مع تقديم جوائز ثقافية وتعليمية تشجع الطلاب على المشاركة والاستمرار، وتغطى بشكل مكثف بحملات إعلامية تنقل في القنوات التليفزيونية والصحف الوطنية وجميع قنوات التواصل الاجتماعي.
إن الاستثمار في القراءة ليس استثماراً في الكتب فقط، بل استثمار في الإنسان نفسه. فكل مكتبة عامة تستقطب طالباً جديداً، وكل معرض كتاب يضيف قارئاً جديداً، وكل مسابقة قراءة تكتشف موهبة واعدة، تمثل خطوة إضافية نحو بناء مجتمع أكثر معرفة وقدرة على الإبداع والمنافسة. ولهذا فإن نجاح المشاريع الثقافية لا يقاس بعدد الفعاليات والزوار فحسب، بل بقدرتها على تحويل القراءة إلى عادة يومية وسلوك اجتماعي مستدام يرافق الإنسان طوال حياته.
لقد أثبتت المكتبات العامة السعودية أن الاستثمار في المعرفة هو استثمار في الإنسان، وأن المكتبة عندما تتطور وتواكب العصر تصبح مؤسسة مؤثرة في تشكيل الوعي وتنمية القدرات وصناعة المستقبل. ومع استمرار الدعم الحكومي والتوسع في البرامج الثقافية والتقنية، تبدو المكتبات السعودية مهيأة للقيام بدور أكبر في ترسيخ ثقافة القراءة والمعرفة وجعلها جزءً أصيلاً من الحياة اليومية للمجتمع.
وعندما تصبح المكتبات العامة جزءً من حياة الطلاب، وتتحول معارض الكتاب إلى منصات حقيقية لنشر المعرفة بأسعار مناسبة، وتصبح مسابقات القراءة حدثاً وطنياً ينتظره الشباب كل عام، فإننا نكون قد انتقلنا من تشجيع القراءة إلى صناعة ثقافة قراءة راسخة تسهم في تحقيق التنمية الثقافية والمعرفية التي تطمح إليها المملكة.



