عبدالعزيز .. الذي غير مسار التاريخ

بخيت طالع الزهراني
عندما كنت طفلًا ملازمًا لجدي، أشهد أنني كنت أرى الفرحة في عينيه، كلما تطرق حديثه مع أصحابه عن “ابن سعود” هكذا كنت أسمع الاسم وأنا صغيرًا
“ابن سعود جانا – وجا الخير معه”
جدي كان من مقاتلي القبيلة، وكثيرًا ما حدثني عن حروبهم المتصلة
يتقاتلون بسبب الأسواق
والإحميات
والثارات التي لا تقف عند حد
كان المحيط المجتمعي، صراعات لا تتوقف، شظف عيش منهك، محاصيل بالكاد تكفي مع المكابدة والجلد، حالة ضياع وضبابية رؤية.
قرى وهجر مُعوِزة متناثرة، زيارتها فوق الدواب تحتاج يوم أو يومين أو أكثر، فيما نحن لاحقًا صرنا نطويها بالسيارة في نصف ساعة، ونتمتع بجودة حياتها.
….
ثم جاء الفرج …
عملاق من قلب بلادي، انتفض وغير وجه التاريخ والحياة في ثلاثة عقود، شيد معجزة فوق الصحراء.
آمن الناس بمشروعه الوحدوي الفريد، توسموا فيه المخلّص من عبث الشتات ووجع الفرقة، فتسابقت وفود القبائل مبايعين، بل وحالمين بأنه سيكون رجل المرحلة … وإذ به رجل كل المراحل
…
في كريات دمه كان الذكاء الفطري، والدهاء السياسي، وبعد النظر
وإلا لكان اكتفي باسترداد ملك آبائه وأجداده في الرياض، وربما اقتصر على كامل نجد
لكن لأنه عبقري بالفطرة، فقد فطن مبكرًا إلى أن بلدًا شاسع الأرجاء، أقوى تمكينًا من مساحة صغيرة، ودولة مترامية الأطراف ستكون ذات هيبة وعزة، بينما ضئيلة الحجم تظل قابلة للانكسار والتآكل.
أمسك بزمامها “من بابها إلى بابها” كما يقال
فكان المنتج ليس بلدًا، بل “قارة ضخمة” اسمها السعودية، مساحتها تعادل مساحة 15 دولة أوروبية مجتمعة.
قدم لشعبه قلبه وحبه قبل راحتي يديه، فتآخى الناس داخل إطارها، وتمازجوا وتحابوا وتصاهروا، فكانوا خير شعب لخير ملك.
….
طاف بالكعبة وصلى في مسجد رسول الله ﷺ، ثم تنفس الصعداء ومد رجليه، بعد جهاد وكفاح استمر 32 عاماً، وضع خلالها الأسس الراسخة لأعظم وحدة في التاريخ الحديث.
قدم لنا نحن أبناء هذا البلاد، مملكتنا الغالية، هدية ثمينة لأرواحنا، وأمانة عظيمة في أعناقنا، كي نحافظ عليها كالرجال، ونصونها كالأبطال، وننميها كالنبهاء جيلا بعد جيل
…
رحم الله “أخو نوره”، ونوره كبرى شقيقاته، كان يعتز بها، فقد دعمته ودفعته للفخر بنفسه….
(سلام الله على نجد العذيه قبلة الضيفان
أخو “نوره” معزبها وقايدها وسيدها)
رحم الله من غادرنا وقد أدى الأمانة، وصنع لنا منجزًا نفاخر به الدنيا، مات جسدًا لكنه بقي غيمة تهطل حبًا في قلوبنا وقلوب الأجيال القادمة.
..
ليت لك – اليوم – نظرة يا ملك …
لترى إلى أي مدى أثمر زرعك، وكيف صان الأبطال من بعدك مشروعك، حتى عانق الجوزاء في عليائها.



