مقالات

أنطولوجيا العطاء وحدود استنزاف الذات

6 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بقلم: د .آمال بوحرب (*)

يظهر العطاء في التجربة الإنسانية بوصفه قيمة مركبة تتجاور فيها الرغبة في الامتلاء مع احتمال التلاشي. فكل عطاء يحمل وعدا بالسمو ويحمل في العمق احتمالا خفيا لاستنزاف الذات حين يفقد وعيه بحدوده وقد اشارت فرجينيا وولف إلى شرط الاستقلال الداخلي حين ربطت الكتابة بامتلاك المرأة لـ”غرفة خاصة بها” وموارد تحفظ حريتها، وهو ما يجعل العطاء الخلاق فعلا يصدر عن امتلاء لا عن فراغ يطلب التعويض.

السؤال الجوهري هنا لا يتعلق بكم نعطي، وإنما بما نعطي ولماذا. فالعطاء في بعده الأنطولوجي يحدد موقع الذات في العالم ويكشف علاقتها بزمنها وطاقتها ووعيها. ويقترب هذا من تصور بول ريكور للذات بوصفها هوية سردية تتشكل عبر أفعالها ومعانيها، لأن العطاء يكتسب قيمته حين يدخل في بناء الذات بدل أن يبتلعها.

حين يختل الحد الفاصل بين الذات وما تمنحه يبدأ التماهي. عند تلك النقطة يفقد العطاء توازنه ويتحول من مشاركة حرة إلى انجراف يستنزف صاحبه. وتساعدنا قراءات علم الاجتماع التفسيري على فهم هذا التحول، إذ ترى الفعل الإنساني داخل شبكة المعاني التي يصنعها الفاعل ويعيشها، داخل السلوك الظاهر وحده.

تتجلى هذه اللحظة بكثافة في الحب حين يفقد توازنه. فصوت قيس بن الملوح يحمل مأساة العطاء حين ينقلب إلى افتقار ويجعل الذات تدور حول آخر يحتل مركز العالم. وفي مثل هذا الوضع يغيب مفهوم ان يعود الحب مشاركة في المعنى، ليصير تمركزا مؤلما حول الغياب، ويغدو العاشق مهددا بأن يذوب في صورة المحبوب. وقد ظل هذا النموذج الشعري في الذاكرة العربية مثالًا على الحب الذي يبلغ حد الفناء حين يفتقر إلى المسافة التي تحفظ الذات.

ويمتد هذا التوتر إلى مجال الإبداع حيث يتحول الفن أحيانا إلى مجال كثيف لا يهب الطمأنينة بسهولة. فابن الرومي بما عرف عنه من حساسية مفرطة وقلق متشعب يمثل صورة الشاعر الذي يدفعه الوعي الجمالي إلى حافة الإرهاق. هنا يصبح الفعل الإبداعي تجربة وجودية كاملة، ويتحول الشعر إلى قوة تكشف الذات بقدر ما تستهلكها ويجد هذا التصور صدى عند شوپنهاور الذي رأى في الفن مجالا يخفف ألم الإرادة ويكشف في الوقت نفسه عمقها المأساوي.

وفي أفق الفكر يبلغ الاستنزاف ذروته حين يتحول العقل إلى مشروع كلي يطلب من الذات أكثر مما تحتمل. تجربة نيتشه تكشف هذه الحافة الدقيقة بين الخلق والانهيار، لأن الفيلسوف لا يشتغل على الأفكار بوصفها موضوعات نظرية فقط، وإنما يعيشها كاختبار لطاقته الروحية والوجدانية. وقد قرأت دراسات علم الاجتماع والفكر الحديث هذا النمط بوصفه مثالًا على الذات التي تنخرط في معنى يتجاوزها، فيغدو التوتر بين التأسيس والانفجار جزءا من بنية الفعل الفكري نفسه.

أما في المجال الاجتماعي فيأخذ الاستنزاف شكلا أكثر خفاء حين تسعى الذات إلى الصورة. فإيما بوفاري لا تطلب حياة حية بقدر ما تطلب حياة متخيلة تتطابق مع نموذج رمزي جاهز. وهنا يتحول العطاء إلى استجابة لضغط خارجي، وتغدو الذات مشروع تمثيل دائم ينهكها وهي تحاول أن تنجز صورة لا تنتمي إلى عمقها. وتكشف القراءة السوسيولوجية لهذه الحالة كيف يعمل التمثيل الاجتماعي على إعادة تشكيل الرغبات نفسها، حتى يغدو الإنسان ممسكا بمرآة أكثر من إمساكه بذاته.

ويحتفظ العطاء بإمكانه التحرري حين يقترن بالوعي. فحين تكتب نوال السعداوي لتعيد تعريف موقع المرأة فإنها تمارس عطاء يعيد بناء الذات بدل أن يذيبها، لأن الكتابة هنا تتحول إلى فعل مقاومة يفتح أفقا للوعي ولإعادة التسمية. وحين تؤكد فرجينيا وولف ضرورة الاستقلال المادي والفكري فإنها ترسم حدودا تحفظ العطاء من التحول إلى استنزاف، وتمنح الفعل الكتابي شرطه الإنساني الكامل.

تكشف هذه المسارات أن الخطر يكمن في تحوله إلى تمركز حول وسيط مغلق: شخص أو فكرة أو سلطة أو صورة. عندها تضيق دائرة المعنى وتغدو الفكرة من أفق للتفكير إلى قيد للانصهار. أما حين يظل العطاء مفتوحا على المعنى فإن الذات تظل قادرة على المشاركة في إنتاج الدلالة من دون أن تفقد مركزها الداخلي. وهنا يلتقي التحليل الفلسفي بالتفسير السوسيولوجي، لأن كليهما ينظر إلى الفعل بوصفه بنية علاقة حركة ويبدو أهمية هذا المنظور حين نفكر في الكتابة نفسها.

فالكتابة تجاوزت نقلًا للفكرة، وإنما بناء لها وصياغة لمجالها. وكل كتابة أصيلة توازن بين ما تمنحه من ذات الكاتب وما تحتفظ به من مسافة تحفظ تلك الذات بمعنى أن أنطولوجيا العطاء في أبهى صورها هي تلك التي تجعل البذل وسيلة للاتساع لا طريقا إلى الانطفاء، وتجعل المشاركة شكلا من أشكال التحقق لا نفيًا للوجود.

وهكذا يتضح أن قيمة العطاء تقاس بالكيفية التي يُبذل بها، وبالحدود التي تحفظ له معناه. فالعطاء حين يخرج من وعيه يجر الذات إلى الاستنزاف، وحين يستند إلى وعيه يفتح لها إمكان التوسع.

لذلك يظل السؤال مفتوحا في عمق التجربة الإنسانية: هل نضع ذواتنا حيث تتسع أم حيث تتلاشى؟

………..

(*) باحثة وناقدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com