ثقافة وفن

أمسية فرسان الثقافية تستقرئ أثر البحر والنخيل في تشكيل الهوية الشعرية

53 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

متابعة ـ حمد دقدقي
ليست الأمسيات الثقافية الناجحة تلك التي تكتفي بإلقاء محاضرة، أو استعراض سيرة مبدع، وإنما هي التي تتحول إلى حدثٍ يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ومكانه، ويوقظ الذاكرة الجمعية، ويجعل الثقافة فعلاً اجتماعياً يلتقي عنده المسؤول والمثقف والمواطن. وهذا ما نجحت في تحقيقه الأمسية التي نظمتها جمعية الأدب المهنية عبر سفارتها في محافظة جزر فرسان، برعاية محافظ المحافظة الأستاذ إبراهيم عثمان شبيلي، وحضور شيخ الشمل الشيخ محمد هادي الراجحي، وعدد من القيادات والأدباء والمثقفين.

3d536831 93dc 49cb 9477 c0c4d83dc7dc

ومنذ اللحظة الأولى، بدت الأمسية أكثر من مناسبة احتفائية؛ فقد جاءت بوصفها إعلاناً ثقافياً يؤكد أن فرسان ليست مجرد أرخبيل تتناثر جُزره فوق مياه البحر الأحمر، بل هي أرخبيل من الحكايات والقصائد والذاكرة، وأن البحر الذي أحاط بها قروناً طويلة لم يكن حاجزاً بينها وبين العالم، بل كان الجسر الذي حمل إليها الحضارات، وصاغ وجدان أهلها، وأصبح أحد أهم روافد هويتها الثقافية.

لقد أحسنت جمعية الأدب المهنية اختيار عنوان المحاضرة: «أثر البحر والنخيل والمواسم في شعراء فرسان»؛ إذ جاء العنوان مكثفاً لفلسفة المكان كله، فهذه العناصر الثلاثة ليست تفاصيل جغرافية، وإنما تمثل مثلث الهوية الفرسانية؛ البحر بوصفه فضاءً للرزق والمغامرة والاغتراب، والنخيل بوصفه رمز الاستقرار والخصب والأسرة، والمواسم باعتبارها الذاكرة الاجتماعية التي تتجدد فيها العلاقات الإنسانية وتتشكل خلالها الطقوس الشعبية.

804a6cfb 1f13 4e25 a80d ce29881de19d

وفي هذا السياق، قدّم الأديب والمؤرخ الشاعر إبراهيم عبدالله مفتاح محاضرته من موقع الباحث العارف قبل أن يكون الشاعر المرهف. فلم يعتمد على السرد التاريخي المجرد، ولم يكتفِ بإيراد النصوص الشعرية، بل بنى محاضرته على قراءة ثقافية تربط التاريخ بالإنسان، والمكان بالإبداع، والذاكرة بالنص الأدبي.

ومن أبرز ما يلفت النظر في هذه المحاضرة جرأة المحاضر في طرح فرضيته التاريخية؛ إذ أشار إلى غياب الشعر الفصيح القديم في المصادر التي تناولت فرسان، مع تأكيده أن هذا الغياب لا يعني انعدام الشعراء، وإنما يعكس قصوراً في التدوين التاريخي، مستنداً إلى شواهد موثقة في كتب التراجم ومعجم البابطين. وهذه الرؤية تمثل منهجاً نقدياً يفرق بين “غياب النص” و”غياب المبدع”، وهي قضية كثيراً ما واجهت تاريخ الأدب العربي في أطراف الجزيرة العربية.

ولعل القيمة الكبرى للمحاضرة أنها لم تجعل البحر مجرد صورة شعرية، وإنما قدمته باعتباره بنية ثقافية كاملة. فالإنسان الفرساني لا يرى البحر منظراً طبيعياً فحسب، بل يعيش معه علاقة وجودية؛ فهو مصدر الرزق، وميدان السفر، ورفيق الغياب، ومرآة الشوق، ولذلك ظل البحر حاضراً في الشعر الشعبي والفصيح على السواء، كما بدا واضحاً في النماذج التي استعرضها المحاضر، سواء عند عيسى بخيت أو أبكر عثمان عقيلي أو في قصائده الشخصية.

bba666f4 5f4b 43be a8cd 80ef263d1a8e 4adf4eae ee3c 4e08 aafa c0436c77f3ca

وفي المقابل، جاء النخيل بوصفه الوجه الآخر للبحر؛ فإذا كان البحر رمز الرحيل، فإن النخيل رمز العودة، وإذا كان البحر فضاء المغامرة، فإن النخيل فضاء الطمأنينة. ومن هنا بدت مواسم النخيل، ولا سيما موسم «العاصف»، مناسبة اجتماعية وثقافية أكثر منها موسماً زراعياً، إذ تستعيد خلالها الأسر تماسكها، ويعود الغائبون إلى الديار، فتولد القصيدة من رحم اللقاء كما تولد من وجع الفراق.

وتميزت المحاضرة كذلك بقدرتها على المزج بين مستويات متعددة من الخطاب؛ فقد انتقلت بسلاسة بين التاريخ والأنثروبولوجيا،

وبين النقد الأدبي والرواية الشفوية، وبين الشعر الشعبي والفصيح، وهو ما منحها ثراءً معرفياً جعلها أقرب إلى رحلة في الذاكرة الثقافية لفرسان، لا إلى محاضرة تقليدية.

ومن زاوية إعلامية، فقد نجحت الأمسية في تقديم نموذج لما ينبغي أن تكون عليه الفعاليات الثقافية في المملكة، حيث لم تقتصر على الاحتفاء بشخصية وطنية، وإنما أعادت الاعتبار لذاكرة المكان، ورسخت مفهوم الشراكة بين المؤسسات الثقافية والقطاع الخاص، وهو ما تجسد في مساهمة فندق إيلانا في استضافة الفعالية، وفي الحضور الرسمي والمجتمعي الذي منح الثقافة مكانتها المستحقة.

a061986e e385 4a99 bcc4 4e7aae7da48c

كما أن الإعلان عن إعداد الأعمال الشعرية الكاملة لإبراهيم مفتاح من قبل دار خطوط وظلال يمثل خطوة بالغة الأهمية في مشروع حفظ المنجز الأدبي السعودي، لأن جمع الأعمال الكاملة لأي شاعر هو في جوهره توثيق لمرحلة ثقافية بأكملها، وليس مجرد إصدار كتاب جديد.

أما المشهد الختامي، حين كرّم محافظ جزر فرسان الأديب إبراهيم مفتاح، ثم كرّم مدير الأمسية، وتبادلت جمعية الأدب المهنية دروع الوفاء مع راعي المناسبة، فقد تجاوز الطابع البروتوكولي، ليحمل رسالة ثقافية عميقة مفادها أن الأمم التي تكرّم مبدعيها إنما تكرّم ذاكرتها، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان قبل المكان.

لقد أكدت هذه الأمسية أن فرسان ليست جزيرة يسكنها البحر، بل ذاكرة يسكنها الشعر، وأن النخيل فيها لا يمنح الظلال فحسب، بل يمنح اللغة جذورها، وأن المواسم ليست تواريخ على صفحات التقويم، وإنما مواقيت يتجدد فيها انتماء الإنسان لوطنه.

وهكذا خرج الحضور من الأمسية وهم يدركون أن البحر يستطيع أن يصنع السفن، لكنه لا يصنع الحضارة إلا حين يتحول إلى قصيدة، وأن النخيل يستطيع أن يمنح الثمر، لكنه لا يمنح الخلود إلا حين يصبح رمزاً في وجدان الشعراء. وفي تلك الليلة، لم يكن إبراهيم عبدالله مفتاح يتحدث عن البحر والنخيل والمواسم فحسب، بل كان يكتب فصلاً جديداً من السيرة الثقافية لجزر فرسان، ويؤكد أن المكان لا يعيش بتضاريسه وحدها، وإنما يعيش بما يتركه في نفوس أبنائه من شعر، وفي ذاكرتهم من حكايات، وفي وجدانهم من حب لا يشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com