خمسون …

خلف سرحان القرشي
قصة قصيرة
..
قال للعامل:
– بخمسين.
أطفأ المحرك، وبقي في السيارة يقلب هاتفه. كان المساء يهبط ببطء، والسيارات تدخل المحطة وتغادرها على عجل.
لم تمضِ دقيقة حتى طرق العامل على الزجاج.
أنزله.
— خمسون يا عم.
مد إليه البطاقة.
مررها العامل على الجهاز، انتظر قليلًا، ثم أعادها.
— ما قبلت.
أخذها منه.
— جرّب مرة ثانية.
مررها العامل.
انتظرا.
ظهرت العبارة نفسها.
فتح تطبيق البنك. ظل المؤشر يدور في منتصف الشاشة.
قال العامل:
— يمكن الشبكة.
رفع الهاتف قليلًا، ثم قربه من النافذة.
لا شيء.
فتح محفظته.
تجاوز البطاقات واحدة بعد أخرى، ثم توقف.
في الجيب الداخلي، خلف بطاقة الهوية، كانت هناك ورقة خمسين مطوية بعناية.
لم يحتج إلى إخراجها كي يعرفها.
لكنه أخرجها.
فتحها على راحة يده.
كانت لينة عند الأطراف، وفي زاويتها ثنية صغيرة.
مرر إبهامه عليها.
كان أبوه يجلس في صدر المجلس صباح العيد.
الأحفاد حوله؛ واحد يقبّل رأسه، وآخر يمد يده قبل أن يحين دوره، وثالث يعد ما أخذه إخوته ليتأكد أن الجد لم يظلمه.
كان أبوه يضحك، ويدس يده في جيبه، ويخرج الأوراق واحدة بعد أخرى.
وحين تفرق الصغار من حوله، ناداه:
— تعال.
أشار إلى نفسه مستغربًا:
— أنا؟
— إيه، أنت.
ضحك وجلس إلى جواره.
أخرج أبوه ورقة خمسين ومدها إليه.
نظر إلى الورقة، ثم إلى أبيه.
— يا بوي، أنا عمري خمسين… وتعطيني خمسين عيدية؟
ضحك الأب، وظلت يده ممدودة.
— خذ.
— عيالي أخذوا. أنا كبرت على العيدية.
هز أبوه رأسه وقال:
— كبرت عندك… عندي لا.
ضحك وأخذها منه.
طواها ووضعها في محفظته.
لم يكن يعرف أنها ستكون الأخيرة.
— يا عم؟
رفع رأسه.
كان العامل ينتظر.
نظر إلى الورقة في يده، ثم إلى الجهاز.
— جرّب البطاقة مرة أخيرة.
جرّبها العامل.
انتظرا.
لم تعمل.
أعادها إليه.
أخرج هاتفه واتصل بابنه.
رن طويلًا.
لا جواب.
عاود الاتصال.
لا جواب.
خلفه، انطلق بوق سيارة.
نظر العامل إلى الصف الذي بدأ يتشكل، ثم قال:
— إذا تبغى وقف هناك لين تضبط معك.
أومأ، لكنه لم يشغّل السيارة.
كانت الخمسون ما تزال على راحة يده.
رفعها قليلًا نحو الضوء.
سنوات وهي تنتقل معه من محفظة إلى أخرى.
لم يكن قد قرر يومًا الاحتفاظ بها.
في البداية كان الأمر مصادفة. كلما احتاج إلى نقود وجد غيرها.
ثم مات أبوه.
وبقيت هي.
انطلق البوق من خلفه مرة أخرى.
مد يده نحو العامل.
ثم توقف.
نظر العامل إلى يده الممدودة، فمد يده هو الآخر.
بقيت الخمسون لحظة بين اليدين.
— خمسين يا عم.
تركها.
أخذها العامل، نظر إليها سريعًا، ثم مرر إصبعه على ثنيتها الصغيرة محاولًا تسويتها.
راقبه.
طوى العامل الورقة، ودسها مع بقية النقود في جيبه.
— يعطيك العافية.
شغّل السيارة.
تحرك قليلًا، ثم نظر في المرآة.
كان العامل قد اتجه إلى سيارة أخرى.
أدخل فوهة المضخة في خزانها، وانحنى نحو السائق يسأله شيئًا.
لم تعد الخمسون تُرى.
عند أول إشارة حمراء، أخرج محفظته.
فتحها.
كان مكان الورقة فارغًا.
أدخل إصبعه في الجيب الداخلي، كأنها ربما انزلقت إلى أسفله.
لم يجد شيئًا.
ظل ينظر إلى الفراغ الصغير.
أغلق المحفظة.
أضاءت الإشارة بالأخضر.
لم ينتبه.
جاءه بوق من الخلف.
تحرك.
وبعد أمتار، سمع صوت أبيه كما سمعه صباح ذلك العيد:
— كبرت عندك… عندي لا.
ابتسم.
واصل طريقه.
وعند الإشارة التالية، وضع يده على جيبه حيث المحفظة.
ثم سحبها.
وظل يقود.



