ثقافة وفن

تمثلات الدهشة أمام باكورة الأعمال الروائية لراجح المحوري: “نساء المدينة لرجل واحد”

42 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

علي صالح باعوضة

تعد رواية (نساء المدينة لرجل واحد) لراجح المحوري، التي تقع في ما يقارب ١٤٠ صفحة، واحدة من الروايات ذات البنية المابعد حداثية سواء من حيث السرد الذي يعتمد على تقنيات الفلاش باك والبناء الزمني المتداخل، أو من حيث فكرتها التي تمثل نوعا من المواجهة مع التطور التكنولوجي المجنون، والحرية التي تنتهي إلى إيذاء الإنسان ذاته، فأحداث الرواية تجري بين مدينة حديثة تحكمها الحرية المطلقة وتحرسها الآلات، وبين غابة مجاورة شكلت ملاذا أخيرا للفارين بأروحهم من جحيم المدينة.
رواية تدخلك إلى عالم أشبه بالسحر! تبدأ برجل بدائي يدخل بجسد نصف عار، إلى مدينة لا يوجد فيها رجل واحد، لتأخذك أحداثها الدرامية الساحرة إلى عوالم من الدهشة والمفاجآت المزعزعة للعقل حقا.

حقيقة أقول وأنا اقرأ هذه الرواية مأخوذا بها لإدهاشها وسحرها وتفرّدها امتلأ ذهني بطارئ أمنية مُستحقة تخصّ هذا العمل الابداعي العجيب؛ تمنيت أن يقع بين يديّ “كريستوفر نولان” أو “جيمس كاميرون”، ليدرس
كل منهما (بجديّة) إمكانية تحويل فكرة بهذا الاتساع وهذا الادهاش إلى عمل سينمائي استثنائي. لكنني كففت عن تلك الأمنية فوراً فقد أدركت أن أجمل مافي هذه الرواية ليس فرادة الفكرة، واحترافية وعبقرية السرد فقط، بل التصاوير الشعرية المُعبأ بها النص أيضاً.

قد ينجح مخرج عبقري في تجسيد أحداثها، وقد يتحفنا بالمشاهد والابهار البصري، لكنه سيقف عاجزاً أمام تلك الصور الفنية التي لا يمكن مشاهدتها إلا عبر القراءة فقط، تلك المساحات اللغوية المزركشة بالتشبيهات المبتكرة، والتصاوير الشعرية البديعة، التي ظلَّت تنمو كالورود الندية بين سطور الكاتب طوال قراءتي للرواية.

أنها رواية لا تعتمد على الحكاية فحسب، بل على ذلك السحر الخفيّ الذي يؤهل الكلمات للقيام بما تعجز عنه العدسات والكاميرات، ففي كل صفحة تكاد أن تكون اللغة بطلةً موازية للأحداث العجيبة، تحمل الفكرة على أجنحة الشعر، وتفتح للقارئ نوافذ تأملات لا تُحصى.
إن من يقرأ رواية “المحوري” الاولى للمرة الأولى دون أن يعرف صاحبها سيظن أنه أمام روائي مخضرم قضى عمرا طويلا في مصادقة هذا الفن الشائك، وأدرك أسراره الدقيقة، بعد أن يرى بناءها المُحكم وإيقاعها المتزن، وجرأتها على التحليق بعيداً حتى تكون متفردة – في زمن مزدحم بالنسخ المكررة والمملة – وبالإضافة إلى انتقالاتها الواثقة، وأصواتها السردية التي تعرف جيداً إلى أين تذهب بقارئها، تبقى روح الشعر تكسو العمل بذلك البهاء اللغوي الآسر. ولهذا جاءت الرواية وكأنها ملتقى لهذه الميزات المتآزرة فيما بينها لتمنح بسخاء تجربة قراءة ماتعة.

ولعل أكثر ما لفت انتباهي في هذه الرواية أن الكاتب لم يكن يسعى خلف إدهاش القارئ بغرابة الفكرة وتفرّدها فقط، بل كان يبني دهشته بلا ضجيج، طبقة فوق أخرى، حتى تجد نفسك وقد وصلت إلى لحظة الاكتشاف وأنت لا تدري كيف قادك إليها.

وتلك من أعقد المهارات السردية؛ أن تشعر بأن كل ماحدث كان عادياً ثم تكتشف بأنه كان محسوباً بدقة منذ البداية. والأعجب من كل ذلك أن خطاب الرواية لم يكن تقنياً جافاً، بالرغم من أن عالمها كان مزدحما بالآلات والتكنولوجيا، فقد طوّع كاتبنا اللغة لتكون نابضة بالشاعرية في منعطفات كثيرة، ليقول لنا – بحرفيّة عالية المستوى – إن الصانع الماهر يمكنه صنع الجمال حتى في ظِلّ أعقد وأصعب المتناقضات.

كثيرة هي الأسئلة التي نهبت ذهني أثناء قراءتي للرواية ومن بينها: كيف استطاع راجح المحوري أن يمنح الحديد بُعداً وجوديا مختلفا ومُلفتاً حينما جعله على علاقة مباشرة بالأرواح والتطلُّعات والهواجس الآدمية..؟ وأن يجعل الآلة مرآة لهشاشة الإنسان؟! كيف استطاع أن يجمع – بدون أن يختلّ الميزان – بين قضايا إنسانية وفلسفية ووجودية شائكة، وبين مستقبل مُتخيّل تدفع إليه الطفرات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي..؟ كيف جمع بين الفانتازيا والخيال العلمي والواقعية السحرية؟! ثم كيف يستطيع أن يفاجئَ القارئ بالعودة سريعاً للواقع الذي
تجرجره الحضارة الحديثة للقاع أكثر فأكثر ؟!
كان يمكن لكل هذه العناصر أن تتنافر، وأن تتحول الرواية إلى فسيفساء مفككة، لكنها التحمت بصورة عجيبة ومدهشة ! فلم يتنافر فيها الحديد والزجاج والآلة مع الأحلام والآمال والشعور الإنساني المحض، بل انصهروا جميعهم في سبيكة أدبية نادرة، تأخذ القارئ وروحه وعقله، من الحرف الأول حتى السطر الأخير، دون أن تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه.

وما يزيد هذا الإنجاز قيمةً أكبر، أن كل هذا الثقل الفكري والفلسفي والجمالي جاء مكثفا خالياً من الترهُّل والزوائد، جاء رشيقا معتمدا على اقتصاد لغوي لا يقدر عليه إلا الواثقون بلغتهم، المدركون أن الجملة العظيمة ليست أطول الجمل، بل أكثرها امتلاءً بالمعنى…
مختصر القول إن (نساء المدينة لرجل واحد) هذه الرواية العجيبة بحقّ هي من الروايات التي لا تنتهي بانتهاء صفحاتها، بل تبدأ داخل القارئ بعد أن يغلقها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com