ثقافة وفن

ليالي العاصف… فرسان تستعيد صوت البحر وهو ينشد الشعر

48 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

كتب حمد دقدقي
ليست الأمكنة جميعها سواء؛ فثمة مدنٌ تُعرف بطرقاتها، وأخرى تُحفظ في الذاكرة بمعالمها، لكن فرسان تُقرأ بطريقة مختلفة. إنها جزيرةٌ لا يكتمل تعريفها على الخرائط، لأن حقيقتها تسكن في الحكايات التي يرويها البحر، وفي الأغنيات التي تركها البحارة على ظهور الموج، وفي القصائد التي كانت، منذ أزمان بعيدة، تسبق السفن إلى المرافئ وتؤخر رحيلها.

68af6a00 2f1c 4443 a7ab b348af60ce8e cf053bcb 5295 4831 a2d9 fcc5107f85be

وفي هذه الجزيرة التي تعلمت أن تجعل من الريح موسيقى، ومن الملح ذاكرة، ومن النخيل شاهداً على تعاقب الأجيال، جاءت «ليالي العاصف» لا بوصفها أمسيةً شعرية عابرة، وإنما باعتبارها موعداً جديداً بين الإنسان وجذوره، وبين الكلمة وأرضها الأولى؛ حيث يعود الشعر إلى بيئته الطبيعية، ويجلس التراث في صدر المجلس، وتصبح الثقافة احتفالاً بالحياة لا مجرد نشاطٍ على جدول الفعاليات.

هكذا فتحت جمعية الأدب المهنية، عبر سفارتها في جزر فرسان وبالتعاون مع بلدية جزر فرسان، أبواب المركز الحضاري للمحافظة، فإذا بالمكان يتحول إلى فضاءٍ رحب تتجاور فيه القصيدة مع الذاكرة، ويتصافح فيه الماضي والحاضر تحت سقفٍ واحد، في مشهدٍ يليق بجزيرةٍ لم تنفصل يوماً عن تاريخها، ولم تسمح لرياح العصر أن تقتلع جذورها الممتدة في أعماق الزمن.

كان الحضور، منذ اللحظة الأولى، أكثر من جمهورٍ جاء ليستمع إلى الشعر. كانوا شهوداً على لحظةٍ ثقافية نادرة، امتلأت فيها القاعة بأبناء فرسان ومحبي الأدب، وبالقامات الفكرية والرموز الثقافية، والأعيان والمشايخ، حتى بدا المشهد وكأن الجزيرة كلها جاءت لتحتفي بنفسها، وتستعيد شيئاً من صورتها القديمة، حين كانت القصيدة ديوان الناس، وكانت المجالس تحفظ أسماء الشعراء كما تحفظ أسماء البحارة الذين عرفوا أسرار البحر.

وأحيا الأمسية الشعراء أحمد نسيب وسليمان صيادي وعمر نجاش، فيما تولى الاستاذ محمد مهدي إدارة اللقاء بثقةٍ واتزان، فكان أشبه بقائد أوركسترا يترك لكل صوتٍ مساحته، ولكل قصيدة وقتها، حتى انساب البرنامج في هدوءٍ يشبه انسياب المد فوق شواطئ فرسان.

ولم تكن القصائد التي ألقيت مجرد أبياتٍ موزونة، بل كانت شواهد على أن المكان ما زال يكتب أبناءه قبل أن يكتبوه. ففي كل نصٍ كانت الجزيرة تطل بوجهها؛ مرةً من خلال البحر، ومرةً عبر رائحة الصيادين، وأخرى من ظلال النخيل، ثم تعود في هيئة دانةٍ قديمة، أو زاملٍ يوقظ الذاكرة، أو زيفةٍ تحمل الفرح من بيتٍ إلى بيت.

وحين يتكلم الشعر في فرسان، فإنه لا يستعير صوته من الكتب، بل يستمده من المراكب التي شاخت وهي تعرف مواسم الرياح، ومن الأزقة التي تحفظ وقع الأقدام الأولى، ومن البيوت المرجانية التي ما زالت جدرانها تردد أصداء الأغنيات الشعبية كلما مر بها المساء.

وفي مداخلةٍ خص بها صحيفة صدى نيوز، عبّر الإعلامي عرفات العلي عن تقديره العميق لجمعية الأدب المهنية، مشيداً بما تصنعه من حراكٍ ثقافي متواصل يعيد الاعتبار للموروث الشعبي، ويمنح التراث فرصةً جديدة للحياة، مؤكداً أن هذه المبادرات لا تنظم أمسياتٍ فحسب، بل تبني جسوراً بين الأجيال، وتحفظ الذاكرة من أن تتآكل أمام سرعة الزمن.

كما أثنى على جهود الزميل الإعلامي عثمان حمق، الذي كان حضوره التنظيمي واحداً من أسباب نجاح الأمسية، بما بذله من عملٍ متقن أسهم في إخراج المناسبة بصورةٍ مشرقة تعكس الوجه الحضاري والثقافي لمحافظة فرسان، وتؤكد أن النجاح، في الثقافة كما في الحياة، يبدأ دائماً من الإيمان بالتفاصيل الصغيرة.

غير أن أكثر لحظات الأمسية بقاءً في الذاكرة جاءت عندما طرح الإعلامي عرفات العلي سؤالاً بدا بسيطاً في ألفاظه، عميقاً في دلالته:

“لو لم يبق لنا في هذه الليلة إلا لونٌ شعري واحد من الدانة أو الزيفة أو الزامل، فأيها يستطيع أن يحمل روح فرسان إلى الغد؟”

ساد الصمت لحظةً، كأن الجميع يبحث عن الإجابة في أعماق الجزيرة نفسها، قبل أن يتقدم الشاعر سليمان صيادي بالإجابة، لا بالكلام، بل بالشعر. نسج دانةً خرجت من قلب الموروث الفرساني، فبدت وكأنها لم تُكتب في تلك اللحظة، بل كانت تنتظر منذ سنوات طويلة من يعيد إليها الحياة. وما إن انتهى حتى ضجت القاعة بالتصفيق، لا إعجاباً بجمال المفردة وحدها، بل لأن الحاضرين شعروا أن التراث نفسه قد تكلم بلسان شاعر.

وهنا أدرك الجميع أن الفنون الشعبية ليست بقايا زمنٍ مضى، وإنما كائناتٌ حية، تتنفس كلما وجد من يحملها بمحبة، ويقدمها للأجيال بثوبٍ يليق بأصالتها. فالدانة، والزيفة، والزامل، ليست مجرد ألوان فنية، بل هي صفحاتٌ من السيرة الاجتماعية لفرسان، وسجلٌ وجداني يحفظ أفراح الناس وأحزانهم، ويختصر علاقتهم بالمكان والبحر والإنسان.

واختتمت «ليالي العاصف»، لكن الليل نفسه بدا وكأنه لم يشأ أن يغادر سريعاً. فقد خرج الحضور وهم يحملون شعوراً بأن الثقافة لا تزال قادرة على جمع الناس حول الجمال، وأن الشعر، مهما تغيرت الأزمنة، يبقى اللغة الوحيدة التي تستطيع أن تعيد الإنسان إلى نفسه.

لقد أكدت هذه الأمسية أن فرسان ليست جزيرةً تحيط بها المياه فحسب، بل جزيرةٌ تحيط بها القصائد أيضاً؛ وأن البحر الذي حمل السفن عبر القرون، ما زال يحمل الكلمة الجميلة إلى القلوب، وأن الأمم لا تحفظ ذاكرتها بالحجارة وحدها، بل تحفظها أيضاً بالأغنية، وبالقصيدة، وبالأمسيات التي تجعل الماضي يمشي مطمئناً إلى جوار الحاضر.

وهكذا، مضت «ليالي العاصف»، لكنها تركت خلفها ما هو أبقى من أمسية؛ تركت يقيناً بأن الثقافة حين تجد من يرعاها، تتحول إلى وطنٍ صغير، وأن الشعر، حين يولد في فرسان، لا يكتفي بأن يُلقى على منصة، بل يظل عالقاً في هواء الجزيرة، كما يظل عبير البحر عالقاً في ذاكرة كل من مر بها ذات مساء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com