ثقافة وفن

الغروي .. أول مشرف على محطة تلفزيون جازان

الإشارة التي عبرت الجبال..

12 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

كتب حمد دقدقي

ليس التاريخ دائمًا ما تكتبه الأقلام، فكثيرٌ منه تكتبه الأقدام التي تمضي في الطرق الوعرة، والأيدي التي تعمل بعيدًا عن الأضواء، والقلوب التي تؤمن أن أعظم الإنجازات هي تلك التي لا يعرف أصحابها كيف يتحدثون عنها. ولو أن للأمكنة ذاكرةً تنطق، لسمعت جبال جازان وهي تروي أسماء رجالٍ مروا فوق صخورها، لا بحثًا عن مجدٍ شخصي، وإنما بحثًا عن إشارةٍ تحمل إلى أهلها صورة الوطن وصوته. ومن بين أولئك الرجال ينهض اسم علي محمد الغروي، لا بوصفه موظفًا في جهازٍ حكومي، بل بوصفه واحدًا من البنائين الأوائل الذين شيدوا جسور التواصل بين الإنسان ووطنه، حين كانت الإشارة رحلةً شاقة، وليست زرًا يُضغط عليه.

كان ذلك في زمنٍ لم تكن الأقمار الصناعية قد بسطت سلطانها على السماء، ولم تكن الألياف البصرية قد شقت طريقها تحت الأرض. كانت الجبال تحجب الصوت، وكانت المسافات تبتلع الصورة، وكانت القرى المترامية في أعالي فيفا وبني مالك والريث، وعلى سواحل تهامة، وفي جزر فرسان، تعيش انتظارًا طويلًا لوصول بثٍ يربطها بالعالم من حولها. وكان لا بد لهذا الانتظار أن يجد رجالًا يختصرون المسافات بأقدامهم، ويهزمون وعورة الطبيعة بعزائمهم.

هناك بدأت الحكاية.

شابٌ تخرج في المعهد الملكي الفني بالرياض، يحمل علمًا اكتسبه في القاعات، لكن قلبه كان يتطلع إلى الميدان. بدأ خطواته في محطة تلفزيون أبها، ثم ساقته الأقدار إلى جازان، المدينة التي كانت يومئذٍ على موعدٍ مع مرحلة جديدة من تاريخ الإعلام السعودي. ولم يكن يدري أن هذه الأرض ستكتب اسمه في سجلها، وأن الجبال التي سيصعدها ستصبح بعد سنواتٍ شاهدةً على قصة رجلٍ لم يكن يبحث عن الشهرة، بل كان يبحث عن إشارةٍ لا تنقطع.

وحين تسلم مسؤولياته في محطة تلفزيون جازان، التي يُعد أول مشرف عليها في المنطقة الجنوبية، لم يجد أمامه أبراجًا شاهقة ولا طرقًا معبدة ولا وسائل نقلٍ حديثة، بل وجد تضاريس تتحدى الإنسان، ومرتفعاتٍ يختلط فيها الضباب بالصخر، وأوديةً لا تصلها المركبات إلا بشق الأنفس. غير أن تلك الصعوبات لم تكن في نظره حواجز، وإنما كانت امتحانًا للإرادة، فكان يحمل معدات الإرسال على كتفيه، ويصعد بها إلى القمم، مؤمنًا بأن وراء كل جبل بيتًا ينتظر أن يرى شاشة الوطن، وأن يسمع نبضه.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يلقبه زملاؤه بـ «الساعي وراء الإشارة»؛ فقد كان يطاردها كما يطارد البحّار ضوء المنارة في ليل البحر، فإذا ضعفت قوّاها أعاد إليها الحياة، وإذا انقطعت بحث عنها حتى يعيدها إلى البيوت. كانت الإشارة بالنسبة إليه وعدًا بينه وبين الناس، والوعد عند الرجال دينٌ لا يسقط بالتعب، ولا تؤجله وعورة الطريق.

ولم يكن البث التلفزيوني آنذاك مجرد خدمة تقنية؛ بل كان مشروعًا وطنيًا وثقافيًا واجتماعيًا. فالصورة التي تصل إلى بيتٍ في أعالي الجبل، كانت تحمل معها رسالة الدولة، وتفتح نافذةً على المعرفة، وتقرّب المسافات بين المدن والقرى، وتجعل المواطن في أقصى الجنوب شريكًا في نبض الوطن وأحداثه وأفراحه. وكان الغروي واحدًا من أولئك الذين أدركوا، مبكرًا، أن الأبراج ليست كتلًا من الحديد، وإنما مناراتٌ تُشيّد فوق القمم لتقول إن الوطن حاضرٌ في كل مكان.

ولذلك لم يكن حضوره محصورًا في غرف الأجهزة والمحطات، بل امتد إلى ساحات العمل الإعلامي، فشارك في تغطية المناسبات الوطنية والاجتماعية، وأسهم في تنفيذ برامجٍ بقيت حاضرةً في ذاكرة المشاهد السعودي، مثل «الصيف والناس» و**«ربوع بلادي»** و**«مظاهر العيد»**، إلى جانب عشرات التغطيات الإخبارية التي وثقت ملامح الجنوب في سنوات التحول الأولى، فكان خلف الكاميرا كما كان خلف البرج، يؤدي الرسالة ذاتها، وإن اختلف الموقع.

ثم توالت محطات العطاء؛ من جازان إلى نجران، ثم إلى محطة الشواجرة الإذاعية، حتى اختتم رحلته بالتقاعد عام 1436هـ، بعد عمرٍ مهني امتد عقودًا. لكنه لم يغادر الميدان حقيقةً؛ لأن الرجال الذين يزرعون أثرهم في الأرض لا يغادرونها، بل يظلون مقيمين في ذاكرة المكان، كلما أضاءت شاشة، أو ارتفع برج، أو عبرت إشارةٌ جبلًا كانت بالأمس تعجز عن بلوغه.

إن هذا الفصل ليس سيرة رجلٍ فحسب، بل هو سيرة جيلٍ كاملٍ من الرواد الذين آمنوا بأن بناء الإعلام يبدأ قبل ظهور المذيع على الشاشة، وقبل دوران الكاميرا، وقبل أن يرى المشاهد الصورة. يبدأ من أولئك الذين يقفون في مواجهة الريح والبرد والمطر، يثبتون برجًا فوق قمةٍ نائية، ليقولوا بصمتهم الجميل: هنا أيضًا يصل الوطن.

ولعل الأجيال الجديدة، وهي تعيش عصر البث الرقمي والاتصالات الفائقة السرعة، لا تدرك أن خلف هذه السهولة تاريخًا طويلًا من المشقة، وأن كل ضغطة زرٍ اليوم، كانت في الأمس رحلةً شاقةً يقطعها رجالٌ بأقدامهم، ويخوضون من أجلها الجبال والوديان، حتى لا يبقى جزءٌ من الوطن بعيدًا عن صوته وصورته.

وهكذا، حين يُذكر تاريخ الإعلام في جازان، فإن أسماء المذيعين والمصورين والمحررين تستحق التقدير، غير أن الإنصاف يقتضي أن تُضاء كذلك سيرة أولئك المهندسين الذين صنعوا الطريق للصورة قبل أن تصنع الصورة شهرتها. وفي مقدمة هؤلاء يقف علي محمد الغروي، شاهدًا على زمن التأسيس، ورمزًا لجيلٍ آمن بأن خدمة الوطن لا تُقاس بما يظهر للناس، بل بما يبقى لهم بعد أن ينصرف الجميع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com