مجتمعات

الفيفيون في ليلة الوفاء.. عرسٌ يتحول إلى ملحمةٍ من المحبة وشموخ القبيلة واعتزاز الوطن

10 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

كتب : حمد دقدقي
في بعض الليالي، لا يكون الفرح مناسبةً عابرة، ولا يكون العرس مجرد موعدٍ للتهنئة؛ بل يتحول الفرح إلى مرآةٍ يرى فيها المجتمع أجمل ما ورثه من قيم، وأصدق ما حمله من موروث.

وفي قصر السلطان بمدينة صبيا، مساء السبت 15 أغسطس 2026م، الموافق 2 ربيع الأول 1448هـ، كان الفرح بالعريس حسن حسين بن حسن الفيفي أكبر من مناسبة، وأوسع من احتفال؛ كان مشهدًا اجتماعيًا تتقاطع فيه المحبة مع الوفاء، وتلتقي فيه القبائل على كلمةٍ واحدة: أن الأفراح حين تسكن القلوب تصبح شأنًا عامًا.

2c4964da 173a 4061 810b 0ca40e0b1c33

بحضور شيخ شمل فيفا الشيخ علي بن حسن الفيفي، احتشد أبناء فيفا وأبناء المحافظات الجبلية والقبائل والأعيان والوجهاء، في ليلةٍ بدت فيها قاعة الاحتفال كأنها ذاكرةٌ مفتوحة لزمنٍ جميل؛ زمنٍ كانت فيه المناسبات جسورًا بين الناس، وكانت التحية عهدًا، والهدية رسالة محبة، والحضور ترجمانًا صادقًا لصلة الرحم وتبادل الود.

ومنذ ساعات المساء الأولى، أخذت الوفود تتقاطر إلى قصر السلطان، قبيلةً إثر قبيلة، ووجهاءً بعد وجهاء، يحملون الهدايا ويقدمون التهاني، ويتقدم كل وفد أحد رجالاته؛ في صورةٍ عفويةٍ لكنها بالغة الدلالة، تؤكد أن القبيلة في بعدها الاجتماعي ليست مجرد اسمٍ أو نسب، وإنما ذاكرةٌ مشتركة، وموقفٌ عند الفرح، وسندٌ في المواقف، وامتدادٌ لقيم الآباء في وجدان الأبناء.

ولم يكن الحضور القبلي في هذه الليلة استعراضًا للموروث، بقدر ما كان استحضارًا حيًا لمعانيه النبيلة؛ فحين تتجاور الوجوه، وتتصافح الأيدي، وتتبادل القبائل عبارات المحبة والترحاب، يصبح الاحتفال نفسه لغةً اجتماعية لا تحتاج إلى كثير شرح، لأن الرسالة تصل من خلال المشهد: نحن أبناء وطنٍ واحد، تجمعنا المحبة، وتوحدنا القيم، وتظل روابطنا أقوى من المسافات.

0d45c8ea 7d88 4fd1 a7d3 9b1dd7cfb5ac

وكان للحفل الخطابي حضوره المضيء، حيث ارتفعت الكلمات فوق منصة المناسبة لتقرأ المشهد من زاويةٍ أعمق؛ فتحدثت عن تكاتف أبناء محافظة فيفا والمحافظات الجبلية والقبائل، وعن ذلك النسيج الاجتماعي الذي ما زال يحتفظ بقدرته على إنتاج المحبة، وصيانة العلاقات، وإبقاء الأبواب مفتوحة بين أبناء المجتمع.

وفي لحظةٍ تزينت بالشعر، شارك شاعر فيفا عيسى الفيفي بقصيدةٍ حملت مشاعر المناسبة، وجمعت بين الفخر والفرح والوفاء، فوجدت طريقها سريعًا إلى أسماع الحضور وقلوبهم، ونالت استحسان الجميع. وكان الشعر، كما هو في الذاكرة الفيفية والخليجية، أكثر من كلماتٍ موزونة؛ كان سجلًا للمشاعر، ولسانًا للمكان، وذاكرةً تحفظ التفاصيل الجميلة حين تمضي الأيام.

ثم جاءت فرقة فيفا للفنون الشعبية لتمنح المشهد بعدًا آخر من أبعاده، من خلال أحد ألوان الفنون الشعبية، فامتزج الإيقاع بالحركة، والفرح بالموروث، وأصبح الفن امتدادًا طبيعيًا للاحتفال؛ وكأن جبال فيفا نفسها أرسلت من سفوحها تحيةً إلى ليلةٍ اجتمع فيها أبناؤها على المحبة.

066a3fd1 90ab 47f8 bc5b 82f0f99df901

وفي حضور شيخ شمل فيفا الشيخ علي بن حسن الفيفي، اكتسبت المناسبة بعدًا رمزيًا يتجاوز الحضور الاجتماعي إلى معنى التماسك والتواصل؛ فالشيخ في مثل هذه المناسبات ليس مجرد اسمٍ يتصدر المشهد، وإنما صورةٌ من صور الامتداد الاجتماعي، وشاهدٌ على أن قيم المجتمع حين تُصان تنتقل من جيلٍ إلى جيل دون أن تفقد روحها.

وكان أجمل ما في المشهد أن المناسبة، وهي تحتفي بعريسٍ واحد، استطاعت أن تستدعي مجتمعًا كاملًا؛ فانتقلت من حفل عرس إلى مشهدٍ من شموخ القبائل، ومن مناسبةٍ أسرية إلى لوحةٍ وطنية تعبّر عن اعتزاز أبناء هذه الأرض بهويتهم الاجتماعية، واعتزازهم بوطنهم، والتفافهم حول قيادته الرشيدة، سائلين الله أن يحفظ ولاة أمر هذا البلد، ويديم على المملكة أمنها وعزها واستقرارها.

وهنا تتجلى قيمة المناسبات الاجتماعية في صورتها الأجمل؛ فالوطن لا يعيش في النصوص وحدها، وإنما يسكن أيضًا في العلاقات الإنسانية، وفي الاحترام المتبادل، وفي قدرة أبناء المجتمع على أن يلتقوا حول الفرح، وأن يجعلوا من عاداتهم وموروثهم الثقافي جسرًا يعبرون عليه نحو مزيدٍ من التكاتف والتلاحم.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذه الليلة أنها لم تكن ليلة عريسٍ وحسب، بل كانت ليلة مجتمعٍ يتذكر نفسه؛ مجتمعٌ يعرف أن الموروث الحقيقي ليس ما نحتفظ به في الصور، وإنما ما نمارسه في حياتنا، وأن قيمة القبيلة لا تكمن في حدود الاسم، بل في قدرتها على صناعة الخير، وحفظ الكرامة، وإغاثة الملهوف، وصلة الرحم، والوقوف مع الوطن في صفٍ واحد.

ae07d17d 93f7 4b56 8251 e71c888343f4 1

وهكذا غادرت ليلة حسن حسين بن حسن الفيفي حدود القصر، وبقيت في الذاكرة؛ لأن بعض المناسبات تنتهي بانتهاء مراسمها، بينما تظل مناسبات أخرى حاضرةً بما تركته من أثر. وهذه الليلة من ذلك النوع؛ ليلةٌ اجتمع فيها الفرح بالشعر، والفن بالتراث، والقبائل بالمحبة، والموروث بالوطن.

مبارك للعريس حسن حسين بن حسن الفيفي، ولأسرته الكريمة، ومبارك لفيفا وأبنائها هذه الصورة المشرقة التي تقول إن الأصالة ليست ماضيًا يُروى، وإنما قيمٌ حية تُمارس، وإن القبيلة حين تضع محبتها في خدمة المجتمع والوطن، تصبح إحدى أجمل صور التلاحم الاجتماعي.

وفي آخر المشهد، ظل قصر السلطان يختزن صدى القصائد، وإيقاع الفنون الشعبية، وحرارة المصافحات، وكلمات التهاني؛ وظلت ليلة العريس شاهدًا على أن الفرح حين يتسع في القلوب، لا يعود فرح أسرةٍ واحدة، بل يصبح فرحًا يشبه الوطن؛ واسعًا، دافئًا، ومتعدد الوجوه، لكنه يجتمع في قلبٍ واحد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com