مقالات

المرأة التي اختارت وحدتها ولم تخترها

43 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

هيفاء نورالدين

لا تصل بعض النساء إلى الوحدة دفعة واحدة؛ بل تتشكّل حولهن ببطء، وسط العمل والبيت والمسؤوليات، حتى يجدن أنفسهن أمام سؤال مؤجّل: ماذا حدث لكل تلك السنوات؟

أحببت في كتابة أنيتا بروكنر أنها لم تجعل المرأة الوحيدة كائنًا ناقصًا ينتظر من يأتي ليكمله. كانت الوحدة عندها مساحة للتأمل، وقد تنقلب سجنًا أو تصبح ملجأً. في هذا التذبذب تنعكس تجربة المرأة؛ فهي لا تعيش وحدتها بوصفها اختيارًا حرًّا تمامًا، ولا قدرًا مفروضًا بالكامل، بل نتيجةً لتوقعات اجتماعية وعاطفية ضيّقت خياراتها، ثم تركتها تواجه نفسها. لذلك تبدو الوحدة تجربة مزدوجة: تكشف هشاشتها أمام العزلة، وتمنحها فرصة لاستعادة صوتها بعيدًا عن الأدوار المفروضة عليها. وهذا ما يجعلني أفكر في نساء كثيرات أعرفهن، وفي امرأة قد أعرفها جيدًا، أكثر مما ينبغي.

امرأة تجاوزت الأربعين، مثلًا.

لا تزال تسمع الجملة نفسها بأشكال مختلفة:

“لماذا لم تتزوجي؟”

كأن العمر باب كان يجب أن يُغلق في موعد محدد، وكأن المرأة التي لم تدخل منه في الوقت المناسب ارتكبت خطأً إداريًا.

لكن لا أحد يسألها:

هل أحببتِ يومًا ولم تقولي؟
هل خذلتكِ الحياة، ثم واصلتِ يومكِ كأن شيئًا لم يحدث؟
هل عدتِ إلى بيتكِ وأغلقتِ الباب خلفكِ، فوجدتِ في صمته رحمةً لا يمنحها كثير من الكلام؟

ربما لهذا أحب الأدب الذي يكتب النساء بعيدًا عن الزينة.

فالمرأة ليست دائمًا عاشقةً تنتظر رجلًا، ولا أمًّا، ولا زوجةً، ولا ابنةً صالحةً، ولا جسدًا يفاوض الزمن.

قد تكون، ببساطة، امرأة تحاول أن تفهم نفسها.

تجلس في آخر النهار، وتراجع حياتها كما يراجع المرء درجًا قديمًا: صورًا، ورسائل، وأسماءً لم تعد تعني شيئًا، وأسماءً أخرى ما زالت قادرة على إرباك القلب بعد عشرين عامًا.

وهنا تصبح الكتابة نوعًا من استعادة الأشياء.

نحن لا نكتب لأن حياتنا كانت عظيمة دائمًا، بل لأن بعض التفاصيل الصغيرة كانت عظيمة بالنسبة إلينا:

رائحة بيت قديم.
شارع بعد المطر.
صوت أم تنادي من غرفة أخرى.
دفتر جامعي لم نحتفظ به عبثًا.
رسالة وصلت من بلد بعيد.
أغنية من الثمانينيات تعيد إلينا فتاةً كنّاها، قبل أن يصبح العمر ملفًا طويلًا من المسؤوليات.

وربما هذا هو أكثر ما يعجبني في الكتابة عن النساء: أنها تقول إن الحياة لم تحدث فقط في اللحظات الكبيرة، بل حدثت كذلك في الانتظار، وفي السنوات التي ظننا أنها ضاعت، بينما كانت تصنعنا ببطء.

قد تكون الوحدة الغرفة الوحيدة التي نستطيع فيها أن نسمع أنفسنا.

ولهذا لا أريد أن أسأل المرأة في منتصف العمر: “هل أنتِ سعيدة؟”

أفضل أن أسألها:

هل ما زلتِ تشبهين نفسكِ؟

إن كان الجواب نعم، فقد نجوتِ دون أن تفقدي صوتكِ. وإن كان لا، فابدئي من هنا: لا عودة إلى المرأة القديمة، ولا تأخّر في الطريق الذي تختارينه الآن.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com