الصمت ليس بالضرورة حكمة

نايف العسيري*
مواقفٌ في الحياة اخترتَ فيها الصمتَ وندمت. لم تدافع عن نفسك، الحق الجلي يقف بجانبك ويشد أكمامَ قميصك، ويصرخ لك بأن تنتصر لنفسك ولو بكلمة، وأنت لا تسمع.
قررتَ ألا تصدح بالحق ورضختَ لواقعٍ كنت تتوهمه آنذاك جبلًا راسيًا منذ الأزل. لعلك عشتَ زواجًا أو صداقةً مسمِّمَة لا تدري كيف مضى وقتُك فيها، والسموم تنساب لداخِلك من فمك وأنفك ومسامك بلا توقف، حتى وعيت بثقلها في يوم ما، وقشعت عن جلدك كلَّ تلكم الروابط متجاهلًا آلام النزع.
ثم هل أنت متأكد أنك لم تكن تقدم المزيد من السموم على الطاولة في تلك العلاقة؟ .. الإجابة عندك.. المهم.. قد تقول لنفسك لتتغلب على ندم اختيارك: “أن الصمت حكمة وأنا اخترت أن أكون حكيمًا، اليد العُليا كانت لي في نهاية المطاف، بل أنا الأقوى لأنني كنت من كاظمي الغيظ والعافين عن الناس” هنا أقول لك: كظم الغيظ والعفو ليسا مرادفين للصمت، يجب أن تكون مفاهيمُنا وقناعاتُنا واضحةً ممحصة.
اختيارُنا الصمتَ ليس مجرد دربٍ نسلكه في مفترقٍ ما، أو بابٍ آخرَ من الأبواب التي نُضطر لاختيار أحدِها، بل قد يكون أسلوبَنا في السير من الأساس.
من الوارد جدًا أن يكون الصمت تجليًا لشعورنا بعدم الاستحقاق، أو أن صوتنا أوهن من أن يتعالى على هدير الواقع، أو لعل شعورَنا بالانسحاق تحت وطأةِ ظلمٍ ما يعفينا من المسؤولية داخليًا. حين نسترجع بعض الأعذار التي قلناها لأنفسنا، لا ندري مَن كنا نخادع بالضبط؟..
النور في نهاية النفق هو أننا اليوم منتجات لاختياراتنا السابقة بما فيها الصمت.
لا أقترح هنا أن تكون جعجاعًا تعطي لكلِّ موقف يمر بك خطبةً عصماء لساعتين، ولا أقترح أيضًا أن يتطابق منطوقُك مع ما في قلبك تمامًا، فهذه استراتيجية غير مجدية، ناهيك أن بعض الأشخاص لا يستحقون معرفة مكنوناتك.
كل ما أحاول قولَه هو أن الصمتَ في غير محله وعدٌ بالندم، وفي بعض الحالات يكون الصمتُ متعديًا إلى أفكارك تجاه أمرٍ ما، فتبقى تلك الأفكار داخلك في ملفٍ ضبابي لم تتم معالجته بشكلٍ وافٍ.
من عيوب الصمت عامةً بعيدًا عمّا سبق ذكرُه، أنه قد يُفسّر وقاحةً ممن اعتاده منك، لا أدري هل الخطأ مكمنه مسيء الظن فيك، أم منك لأنك كنت صامتًا أكثر من اللازم.
*مدون سعودي



