جولة رمضانية في قلب جدة .. الأماكن تتنفس التاريخ
جدة – بخيت طالع :
عندما تتاح لك الفرصة للوصول إلى قلب مدينه جدة فإنك تكون قد وصلت إلى عمق التاريخ ورائحه الماضي وأنفاس الأمكنة. منطقه البلد في جدة زاخرة بكل الآثار الجميلة، وكل الدلالات العميقة، التي تنقلك من الحاضر الزاهي – في لوحه بانوراميه جميلة – إلى الماضي الجميل عندما كانت هذه المدينة الجميلة الغافية على ساحل البحر الأحمر، داخل سورها قبل حوالي 76 عاما ، ذات مساء اتفقنا مجموعة من الإعلاميين والباحثين في التاريخ والمثقفين على زيارة لقلب مدينة جدة، بدأناها من شارع قابل، فسوق الذهب، ثم شارع العلوي، ثم سوق البدو، ومررنا بمسجد الشافعي، وقبل ذلك مسجد المعمار. وانتهت جولتنا في سوق السمك في سوق الندى، حيث هناك عدة مطاعم للسمك الشهي، وتناولنا سحورنا هناك. فماذا وجدنا .. وكيف اندهشنا …؟
سوق المشالح
بدأنا جولتنا سوق الشروق أو المشالح المعروف في البلد، والذي يقع ملاصقًا لشارع قابل أحد أشهر المواقع التجارية في جدة .. ذلك السوق الذي أنشئ منذ أكثر من نصف قرن من الزمن، ووجدنا محلات تبيع المشالح أو البشوت، ومن روادها العرسان طالبي الشياكة، لما عرف عن السوق تميزه في انتقاء المشالح الممتازة التي تصنع محليا في الأحساء.
وسعر المشلح – كما قال لي أحد الباعة: يعتمد على الجودة ونوع القصب فيه، وتتصدرها المشالح الحساوية وتبدأ أسعاها من ألف ريال إلى خمسة آلاف ريال وربما أكثر، وهناك المشالح السورية التي تتراوح أسعارها من 250 ريالا إلى ألف ريال.
ووجدنا الأحذية المصنوعة من الجلد (سألت عن أجودها فقال لي البائع أنه بـ 400 ريال مصنوع من جلد الجمل) وتصنع محليا بطبيعة الحال، وهناك بيع السيوف المطلية بماء الذهب، باللون الأصفر وأخرى باللون الأبيض، وبينها أفخر أنواع السيوف الملكية والسيوف الدمشقية الفاخرة، وأخرى معدة في صناديق فاخرة كهدايا لكبار الشخصيات بالإضافة إلى بيع العمائم والأشمغة والطواقي والعُقل.

سوق الذهب
ثم انتقلنا بعد ذلك الى سوق الذهب حيث وجدنا محلات لبيع السبح مختلفة الأنواع والأشكال والأسعار والأحجام، وبعضها صناعه محليه وتعرفنا على المواد الخام التي تصنع منها، ويقبل على شراء السبح الحجاج والمعتمرين بكميات كبيرة، كهدايا لعائلاتهم يحملونها معهم كهدايا قيمة من المملكة.
والسبح أنواع منها الغالي ومنها زهيد الثمن بحسب مادتها الخام، ومنها: الكوك، واليسر والصندل، والفيروز، والعقيق وغيرها .. وهناك العادية المصنوعة من مواد بلاستيكية وزجاجية وأخشاب عادية.
كشك عطر الورد الطبيعي
ثم انتقلنا بعد ذلك الى اكشاك كانت في مدخل شارع العلوي، وكانت تبيع العطورات ومنها عطر الورد الذي قال لنا أحد الباعة بانه يستورده بشكل خاص، وآخر يستقدمه من الطائف، حيث مدينه الورد كما هو معروف، وجربنا أحدها قال: إنه ورد طبيعي بمكونات طبيعية، رائحة لطيفة عالية الأداء والثبات، مناسب للرجال والنساء، ومناسب للاستخدام اليومي وللمناسبات الخاصة والرسمية.
مسجد المعمار
انتقلنا بعد ذلك الى شارع العلوي، وكان على جانبه الأيسر ونحن في طريقنا صاعدين الى أخر الشارع شرقا، مسجد المعمار بتاريخه واثاره وجمالياته، وهو من بين المعالم الأثرية والتاريخية في جدة، في المرتبة الثانية بعد مسجد الشافعي، بُني عام 1240هـ بطراز حجازي يحاكي الهندسة المعمارية العثمانية التقليدية.
ويلفت الانتباه مئذنته المميزة، وهو مبني من الحجر المنقبي، إلى جانب الرواشين في الواجهات، والمسجد الآن يبدو في حلة جميلة، بعد مشوع ترميمه في عام 2018، على نفقة وقف مؤسسة الملك عبدالله بن عبدالعزيز الخيرية، وذلك في إطار برنامج إعمار المساجد التاريخية.
سوق العلوي
وفي سوق العلوي رأينا على جانبيه تنتشر المحلات، التي تبيع الملابس والعطورات والبخور، إلى أن وصلنا إلى ساحة متحف بيت نصيف التاريخي، وكان هناك إحدى السيدات التي تشرح للزوار من تاريخ جدة التاريخية وعن تاريخ بيت نصيف والمنطقة المحيطة.
وكما قيل (إن زرت جدة ولم تمر بمتحف “بيت نصيف” فأنت لم تزر قلب جدة القديمة)، وبيت نصيف عمره الآن حوالى قرن ونصف من الزمن، فقد بُني عام 1872 م، ويمثل طراز بنائه الفن المعماري القديم في جدة، ويعتبر أحد أهم المعالم الأثرية فيها، ويتكون من أربعة طوابق، تضم أربعين غرفة، تتميز بعلو سقفها وسُمْك جدرانها، وسكنه الملك عبدالعزيز لعدة سنوات، واستقبل فيه ضيوفه، وعقدت فيه اتفاقيات مع سفراء ومندوبي عدة بلدان، وزاره في البيت الرؤساء والشخصيات، والعلماء، والأدباء، وتحول البيت في السنوات الأخيرة إلى متحف ومركز ثقافي.
سوق البدو
ثم واصلنا طريقنا في شارع العلوي الى سوق البدو، الذي يقع على مسافة غير بعيدة من بوابة باب مكة، التي كانت البوابة نحو مكة المكرمة ومن خلالها كانت تصل قوافل المزارعين الحبوب والتمور، وسوق البدو حافل بمحلات تجارية سعرها شعبي في المتناول، وفيه الأقمشة والملابس النسائية والمصانف وغيرها.
مسجد الشافعي
ثم اتجهنا بعد ذلك الى مسجد الشافعي في حارة المظلوم، ويعتبر أحد أهم المواقع الإسلامية التاريخية مدينة جدة، بل وفي المملكة العربية السعودية، يرجع تاريخ بناء المسجد إلى زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولكنه تعرض لإعادة البناء مرات أخرى، ويحكي واقع العمارة الإسلامية القديمة.
وأعيد ترميمه بشكل جيد في عهد حادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، من المواد التقليدية في عملية البناء، والمكونة من الطين البحري والحجر المنقبي والأخشاب.

سوق الندى
بعد ذلك توجهنا مره اخرى إلى شارع الذهب، ثم انتهت جولتنا بالوصول الى سوق الندى حيث تنتشر هناك متاجر الملابس والمجوهرات والاقمشة والأحذية والساعات والألعاب. وفيه عدد من المطاعم الشعبية والاسماك، وهناك تناولنا سحورنا بعد جولة جميلة في البلد وجزء من المنطقة التاريخية، والتي استغرقت حوالي ساعتين.
بيت الهزازي
وتزخر المنطقة التاريخية في جدة خلال رمضان بفعاليات، ومنها: «حكاوي رمضان» كمجموعة من القصص والحكايات الرمضانية المتنوعة التي يسردها حكواتي، عن بيوت جدة التاريخية وقصص عن تراثها القديم المتجدد.
وخاصة في برحة بيت الهزازي، حيث يعرض عبر التقنية صور جوية لمنطقة البلد تروي قصة أماكن البيوت والمساجد التاريخية، التي ما زال عدد منها شاخصا أمام الزوار. إضافة إلى بسطات تبيع الأطعمة، وبازارات رمضانية وأركان للألعاب والحرف، وسط أهازيج الباعة وأصحاب المهن في أجواء ليال رمضانية عابقة بالبهاء.




