مقابلات وتقارير

محمد الرياني : أشتاق لعُشّتنا القديمة، وهذه قصة ابنتي مع هلال رمضان

الاتجاه – مريم الحسن:

هذه الفقرة (ضيف ليالي رمضان) أردنا من خلالها أن تكون مدخلًا لنا، لنقلب بعضًا من صفحات كُتاب القصة، من الأدباء الذين عشقوا هذا الجنس الأدبي الجميل – السرد، وتماهوا مع جمالياته وفنه ومتعته.

ولقاء اليوم مع الأديب القاص (محمد الرياني) .. فتعالوا لنتعرف على ما قاله لنا:

ماهي ممرات الفرح التي لا تنساها في حياتك؟

كثيرة هي ممرات الفرح في حياتي، ومنها:

– يد أمي وهي تمسكني وعمري عامان أو تزيد قليلًا، وأنا أطلب منها أن ألعب الكرة مع أخي الأكبر وأقرانه.

– ومن الممرات يوم نجاحي حيث مررت بين أزقة قريتنا وأنا أحملُ شهادة الصف الأول الابتدائي، حيث كانت تنتظرني وألقيت عليها شهادة نجاحي في فرحة غامرة.

– ويوم تخرجي معلمًا في الثامنة عشرة حيث أخذتني إلى العمرة مكافأة لي.

– ومساء زواجي كان مساء مشهورًا شاركتنا المزن فانهمرت على مساء عرسي، وكأن الهتان يشاركني الفرح.

ممرات كثيرة في حياتي عبر محطات مختلفة والواقع أنني عشت حياة جميلة في الريف جعلتني أرى الريف جنة بحضور أبي وأمي وإخوتي.

ومن أسعد الممرات صدور كتابي العاشر، الذي سميته ممرات، تتويجًا لرحلة كبيرة وشيقة مع الكتابة.

لو دار الزمان وعدت تسكن في بيتك القديم وتجلس مع أهلك وأحبابك في شهر رمضان بدون انترنت أو جوال توافق أم لا؟

سأوافق دون تردد، ولا أخفيكم أن الماضي يسكنني وأسكنه، لا تزال صورة عشتنا القديمة والظلال وتجمع جيراننا في الصباح على احتساء الشاي والقهوة، وصوت الدجاج وصياح الديكة عند الغروب، ونهيق حميرنا وهي تحمل على ظهرها جرات الماء قادمة من البئر، ومنظر قريتنا بمكوناتها لا تنسى، القرية عندي رواية ربما ترى النور في قادم الأيام.

صورة حية عشتها لا تنساها في أيام الشهر الكريم ومنها نبضت حروفك وكتبت عنها نص له شأن خاص عندك.

صور كثيرة وجميلة في رمضان … ومنها:

– حبي للناس وأنا صغير يدفعني لأصنع تاريخًا، أذكر أنني حملت رجلًا إلى قرية بعيدة وسط الظلام، وأنا صغير في سيارتي، ذهب ليطمئن على زوجته التي على وشك الولادة في رمضان، وصلنا في الليل منهكين بسبب بعد المسافة ووعورة الطريق، لم تلد في الليل، ولما أصبح الصباح أصررت على الذهاب به مرة أخرى، فوجدناها قد أنجبت ابنًا، كان ذلك في العام ١٤٠٠هـ

– أيضًا صورة ابنتي وهي تحمل بعضًا من مائدة رمضان نحو الجيران، في منظر عفوي قبل عقدين من الزمن وكبرت ابنتي ولا نزال نتذكر ذلك.

– كتبت عن هلال الصغيرة نصًا قصصيًا قبل ثلاثة أعوام، وهو من النصوص المحببة إلى نفسي، وقد سردته وأنا أتخيل صغرى بناتي.

في رمضان هل تستشعر القصة أم هي تستشعرك بمعنى يلوح لك طيفها أم أنك تبحث عنها لتكتبها؟

في رمضان كتبت قصصًا كثيرة وأنوي إصدارها في كتاب العام المقبل تزامنًا مع شهر رمضان ١٤٤٦هـ بمشيئة الله تعالى، وهذه النصوص شخصت العادات والتقاليد في قريتنا الجميلة.

والواقع أن رمضان والقرية ونبض الشارع والذكريات تحضر عندي بشكل دائم، وتسكن وجداني، وبالتالي فالقصة عند الكاتب المرهف تأتيه طواعية في المواقف المختلفة.

أول نص كتبته هل كان في الشهر الكريم وإذا كان هل تعرضه علينا.؟

– كما سبق أن قلت إنني كتبت عن رمضان كثيرًا ولي معه ذكريات في غاية الروعة، ونشر كثير منها .. ولأني شغوف بخلق كثير من الأحداث أو ربما بعض التفاصيل تأتيني أسرد هذه المواقف على هيئة يوميات رمضانية، أو سرد ذكريات.

ماذا تقول عن إصدارك الأول في القصة؟

ليلة على الرابية ٢٠١٧م أعتز به كثيرًا، وهو فرحتي الأولى، وبه نصوص غاية في الروعة والجمال، وهو المفتاح الذي جعلني أدير محرك الكتابة القصصية بإسهاب وأناقة، وشجعني على المزيد من العطاء

كل عام وأنتم بخير وشهركم مبارك وأشكركم على الاستضافة.

…..

هلالُ الصغيرة

محمد الرياني

حضرت الصغيرةُ ويدُها خلفَ ظهرها، من عادتها إذا صحت من نومها أن تأتي لترتمي على صدري لأقبِّلها على رائحةِ النوم الذي لايزال يكتبُ على ملامحِها أحلامَ الطفولة، كنتُ مشغولًا بالنظرِ إلى طلاءِ الجدران الرمادي الجديد تارةً وأحرِّك بصري نحو السجادة المزركشة المبسوطة على الأرض، وإلى الثُّريّاتِ الملونةِ في السقف، سألتها عن يدها الصغيرة التي تخبئها خلف ظهرها وقد تناست أني أفضِّل أن أضمَّها، ثم أقبَّلها عند قيامها من النوم، قالت بابا: انظر إلى رمضان في كفِّي، رمضانُ في كفِّك صغيرتي! هذا شهرٌ فيه ثلاثون يومًا، كيف يحمل كفاك الصغيران هذا الشهر الفريد؟ اقتربت مني ورَسْمُ الهلالِ منقوشًا على كفيْها، لم أحتمل البقاء على وضعي، سارعتُ بتقبيل كفها الأيمن حدَّ الشبع ثم أنتقل إلى كفها الأيسر فأفعل مثل ذلك، والسعادة تغمرني.

قلتُ لها: هذا هلالُ الصومِ صغيرتي، غدًا تكبرين ويكبرُ كفاك ويعظمُ الهلالُ عليهما وتصومين كما يفعل الكبار، وضعتْ يدَها على يدي، ألصقتُ كفي بكفها ونحن نحتفل بالشهر، انتظرتُ حتى ظهرَ الهلال أكبر لنراه معا، جاءت السماءُ صافيةً من حسنِ حظِّنا، نظرنا إلى السماء والصمتُ يلفًّ الكون، قلتُ انظري إلى رمضانَ في السماء، أبصرته وهو يشبه المرسومَ على كفها، قالت: هذا يشبه كفي يا بابا، رفعتُها على كتفي لترى الهلال أكثر، جعلت تقبِّل الهلالَ عن بعد، وتشير إليه وأنا أقبِّل يدَها الصغيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com