مقابلات وتقارير

د. درية فرحات: وسائل التواصل سرقت لحظاتنا الجميلة، ولكتابي الأول لذة  

الاتجاه – مريم الحسن:

هذه الفقرة (ضيف ليالي رمضان) أردنا من خلالها أن تكون مدخلًا لنا، لنقلب بعضًا من صفحات كُتاب القصة، من الأدباء الذين عشقوا هذا الجنس الأدبي الجميل – السرد، وتماهوا مع جمالياته وفنه ومتعته.

ولقاء اليوم مع الأديبة القاصة (د. درية فرحات) .. فتعالوا لنتعرف على ما قاله لنا:

ماهي ممرات الفرح التي لا تنساها في حياتك؟

سؤال جميل وسط ما نعيشه من آلام ومآسٍ، نعم ممرات الفرح كثيرة، والإحساس بهذا الفرح يكون في مواجهة الحزن، أي لن نعرف الفرح ما لم نشعر بالحزن، ومن هذه المحطّات ما يرتبط بلحظات النّجاح في الجامعة والتّخرّج، لأنّها كانت بداية مرحلة جديدة فيها تحمل المسؤولية والإحساس بالنّضج.

وربما من ممرات الفرح هي مع كل مرحلة جديدة منها مرحلة العمل ومرحلة الزواج، واعتقد أكثر ما يفرح هو عند ظهور النتاج الإبداعي، فهو نابع من القلب وعندما يصل إلى الآخرين فهو تعبير عن التّواصل والتفاعل، وهذا يثلج القلوب ويسعدها.

لو دار الزمان وعدت تسكن في بيتك القديم وتجلس مع أهلك وأحبابك في شهر رمضان بدون انترنت أو جوال توافق أم لا؟

الإجابة السريعة هي نعم، لأنه في الحقيقة هذه الوسائل سرقت منا اللحظات الجميلة، جعلتنا عبيد حياة جديدة فيها السرعة والأشغال الكثيرة، والتواصل مع العالم، لكن أحيانا تفقدنا بهجة التواصل مع المحيط القريب، لهذا نحتاج في كثير من الأحيان إلى العودة إلى بساطة الحياة القديمة، والشعور بكل لحظة فيها.

لكن يبقى السؤال هل يمكن ان نتخلّى عمّا وصلنا إليه، فلولا هذا التواصل ربما لن تصلني هذه الأسئلة ولن تصل أجوبتي إلى الآخرين.

إنّ اتّخاذ هذا القرار – على صعوبته – ليس بالأمر الهين وليس مجديًّا، فالحياة تسير إلى الأمام. إذًا نحن نقف بين المطرقة والسّندان، إن قبلنا بما تقدّمه لنا التّكنولوجيا فقدنا هناء العيش وقبلنا بتعقيدات الحياة، وإن رفضناها عدنا إلى صعوبة الحياة وقساوتها.

وللتّوفيق بين المطلبين علينا حسن استخدام هذه التّكنولوجيا.

صورة حية عشتها لا تنساها في أيام الشهر الكريم ومنها نبضت حروفك وكتبت عنها نص له شأن خاص عندك.

اعتقد أنّ هذه الصورة الحية ترتبط بما نراه أحيانا من بذخ في سفرة رمضان وضياع قيمة هذا الشهر الفضيل، في مقابل ما نراه من اسر محرومة فقيرة، تستعفف ولا تطلب، لهذا فالقلم يجود أحيانا في التّعبير عن هذا الفارق بين الغنى الفاحش والمظاهر الكاذبة والحياة الفقيرة الكادحة، من النصوص القصيرة جدا التي عبّرت فيها عن ذلك، وعن هذا الفرق بين الزيف والواقع:

منتدون

أضواء تلألأت، طبول قُرعت، أفواه تحدثت، خوان امتد…

تحلّق المنتدون في قاعة الملوك…

تناقشوا في قضايا الفقر والفقراء …

في رمضان هل تستشعر القصة أم هي تستشعرك بمعنى يلوح لك طيفها أم أنك تبحث عنها لتكتبها؟

في رمضان أو في أي لحظة أخرى أرى أنّ الكتابة الحقيقية المعبرة الصادقة يجب ألا نبحث عنها، إنما تلوح لنا في عمق التجربة وفي الإحساس بها.

أول نص كتبته هل كان في الشهر الكريم وإذا كان هل تعرضه علينا.؟

سؤال يعود بنا إلى زمن مضى، قد لا أتذكّر أوّل نصّ كتبته، فهذا يعود إلى مراحل التّعليم، وهناك الكثير من النصوص التي كتبتها لمسابقات مدرسية لكن للأسف لم أحتفظ بها لأسباب عديدة.

لكن أوّل نصّ كتبته وكان ناضجًا هو بعنوان:

أمل الأرض

كانت الدّموع تنهمر من وجهه، وكأنّه ينزف دمًّا من جرح غائر، وكلّما انهمرت دمعة، ظنّ أنّ دموعه قد جفّت، لكنّها ما تزال تنهمر وتشقّ مجرىً كمجرى نهر في خدّه، فيحاول أن يمسح دموعه ويقول لنفسه: أيعقل أن تبكي! إنّ الرّجل لا يبكي، الرّجل لا يبكي، هذا ما تعلّمه في صغره… وأخذ يضحك بمرارة! فمن في حالته لا يملك إلا الدّموع، فهل يستطيع رجل في حاله أن يفعل شيئًا، خصوصًا في سنه هذه، وقد خاط الشّيب لحيته.

وجال بصره في تلك المسافات الشاسعة، يبحث عن شيء… يبحث عمّا ينشله من الهوة العميقة التي تعثّر في جنباتها يومًا بعد يوم.

وأفاق على صوت زوجه وهي تناديه ليأخذ كوب الشّاي، فحنت منه نظرة لزوجه التي عاشت معه كلّ هذه السّنين التي قضاها في حلوها ومرّها… فرأى على وجهها غبار الزّمن، وقد عَلق وأبى أن يرحل.

وبدأت تحادثه، وتقول: أما زلت تبحث عن مجهول لينقذنا مما نحن فيه يا سيدي؟ أنت تبحث في السّراب، فما حصل قد حصل، والأرض الفتية قد بارت، ولم تعد تصلح للزّراعة، أنسيت فقد أصابها ما لم يُصب أرضًا أخرى، قد شُرب من دماء أبنائها الكثير ودُكّ فيها من الحديد ما يجعل كلّ ما في أحشائها يظهر على السّطح، وما في أعلاها يندثر تحتها. جمالها وخضرتها لم تُعجب أحدًا ممن حولها، فأخذوا يحيكون لها المكائد كمن يُحيك شبكة معقدة الجوانب.

وأخذ صوت العجوز يعلو، وهي تقول: لقد وضعوا السّوس في أعمدتها، وجعلوه ينهار واحدًا تلو الآخر… وزرعوا الحقد بين رملاتها… ولّدوا الحقد بين مائها… جلبوا الجراد الذي قضى على خضرتها… نشروا النّمل في جنباتها… وبعد هذا تريد لها البقاء، تريد لها العيش، كيف تعيش والرّملة تكره أختها الرّملة، كيف؟!  كيف؟! كيف؟!  ومازال صوت العجوز يعلو، وتزداد نبرات الغضب والأسى في صوتها، ودموعها تنهمر وتختلط مع الكحل الذي سال على خدّيها.

ومع هذا لم يكن يصغي إلى حديث زوجه فقد انشغلت عيناه بشيء بعيد، ينير له الطّريق، فأخذ يركض وهو الرّجل الذي لم تكن لديه القدرة ليمشي من غير عكازه. وكان يصرخ أمل الأرض، أمل الأرض.

وكان مع كلّ خطوة يخطوها، تخطو معه السّنوات، ومع هذا فهو لم يشعر بالكلل ولا التّعب، لأنّ عينيه كانتا لا تحيدان عن نبتة خضراء يانعة تحاول أن تنبت على وجه الأرض في تلك البقعة البعيدة من الأرض الشّاسعة.

ماذا تقول عن إصدارك الأول في القصة؟

دائما للمولود الأول نكهة جميلة ولذيذة، فيها الشّعور بالبهجة والاعتزاز والفخر، وقد يسيطر هذا الشّعور على صاحبه، فلا يجعله يتمعن في هذا النتاج، يهيئ له كل البهرجة والفرح، وينسى بعض التفاصيل التي ربما لو انتبه إليها لظهر مولوده بحلة أفضل.

لهذا يكون في المرة الثانية أكثر وعيًا، ويتخلّص من إحساس البهجة والانفعال اللذيذ في رؤية إبداعه وقد خرج كتابا أمامه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com