مقابلات وتقارير

جمعان الكرت: ابتهجت ببكالوريوس الجغرافيا، و”فضة” فرحة لا تنسى  

الاتجاه – مريم الحسن:

هذه الفقرة (ضيف ليالي رمضان) أردنا من خلالها أن تكون مدخلًا لنا، لنقلب بعضًا من صفحات كُتاب القصة، من الأدباء الذين عشقوا هذا الجنس الأدبي الجميل – السرد، وتماهوا مع جمالياته وفنه ومتعته.

ولقاء اليوم مع الأديب القاص (جمعان الكرت) .. فتعالوا لنتعرف على ما قاله لنا:

ماهي ممرات الفرح التي لا تنساها في حياتك؟

دوما ممرات الفرح مبهجة وتظل راسخة في الذاكرة وفي مشوار حياتي مررت بمحطات فرح، واذكر منها حين احتفَلت جامعة الملك عبد العزيز بخريجيها من جميع التخصصات، وكنت في ذلك المساء أحمل وشاح الفرح درجة “البكالوريوس” من قسم الجغرافيا، تلك الاحتفالية بقيت محفورة لم تمحها الأيام، وكذلك حينما احتفلت أسرتي بل حتى أفراد قريتي “رغدان” بزواجي،  وبعد سنوات استقبلنا المولودة الجديدة، ابنتي “فاتن بنت جمعان”، وأيضا فيما بعد استقبلنا ضيوف الأسرة اخوانها الكرام.

لو دار الزمان وعدت تسكن في بيتك القديم وتجلس مع أهلك وأحبابك في شهر رمضان بدون انترنت أو جوال توافق أم لا؟

هي أمنية جميلة العودة مع الأهل والأحباب سواءً في شهر رمضان أو غير غيره من الأشهر الأخرى إلا أن الكثير من الأماني لا تتحقق في الظروف الحياتية الحالية لأن  أغلى الناس  والدي علي بن سعيد الكرت ووالدتي عزيزة الغامدي انتقلا إلى – رحمة الله – مما فقدت الضوء الذي يعينني في الحياة، وبقى إخواني حفظهم الله وكل واحد منهما استقل في حياته الخاصة ونلتقي بطبيعة الحال في ساعات محدودة ولا شك إنها مفعمة بالود .

صورة حية عشتها لا تنساها في أيام الشهر الكريم ومنها نبضت حروفك وكتبت عنها نص له شأن خاص عندك.

في العزلة التي فرضتها كورونا في شهر رمضان المبارك استثمرت الوقت لأكتب عن سيرتي الذاتية وبالفعل أنجزت العمل، وتم بتوفيق الله طباعته تحت عنوان “أوراق الريح والمطر”.

في رمضان هل تستشعر القصة أم هي تستشعرك بمعنى يلوح لك طيفها أم أنك تبحث عنها لتكتبها؟

كل ما يدور حولنا يأتي في سياق القصة “قصة الحياة” إلا أن التقاط القصة المناسبة والتي أبحث عنها تكون في أحايين كثيرة متمردة وتحتاج إلى لحظات من التأني  والهدوء كي يتدفق الحبر في إنجازها

أول نص كتبته هل كان في الشهر الكريم وإذا كان هل تعرضه علينا.؟

كما قلت كتبت سيرتي الذاتية في شهر رمضان المبارك ويسرني أن اعرض لكم مقطعا من السيرة والتي تأخذ الأسلوب القصصي

(أوراق للريح والمطر – عودة إلى الجبل)

* ما إن حطيت رحالي في مدينة ساحلية على البحر الأحمر حتى جاءت القرية السروية بكاملها إلى ذاكرتي المتوهجة، شارع المدينة متنفس لسكانها، فضاء رحب، لا تخنقه الجدران، يمنح عيني أهلها جمالا، ومشاعرهم بهاءً، وللسيارات عبوراً، وللشوارع أسماءً وأحجاماً، من هنا تعبر أرتال السيارات إلى الجامعة، وآخرى تفضي إلى مسار نحو البلد، وغيرها تؤوب إلى مكة.

* حافلة صغيرة أنهكت طلاء هيكلها الخارجي حرارة شمس مدينة جدة، تنوء بحملها من الركاب، جنسيات مختلفة، وسحنات متباينة، بعد أن ارتقيت سلمها الصغير ركنت إلى نافذة زجاجية أطل من خلالها إلى فضاء الشارع المكتظ بالسيارات، تتوقف الحافلة لتقل آخرين وتفرغ مثلهم، كانت الجامعة بمبناها الضخم أمامنا، ترجلت وغذيت المشي نحو بوابتها الإسمنتية المقوسة، الرطوبة الدبقة، وحرارة الجو تدفعان قدميّ السير بخطوات عجلى، ولجت بابا زجاجيا يحصر برودة مكتسبة من مكيفات منتشرة في سقف المبنى، شعرت براحة قدّمت أوراقي. شهادة تخرج المرحلة الثانوية، وشهادة حسن سيرة وسلوك، مع أربع صور التقطتها في أستديو القرية، سلمني الموظف الشاب الذي يجلس خلف مكتب خشبي استمارة أحدد نوع التخصص كانت مفاجأة ارتبكت قليلاً إلا أنني قررت اختيار قسم الجغرافيا، ألصق الأوراق في بعضها بين أرتال لطلاب مستجدين آخرين. خرجت بنشوة، لتكون حافلة مماثلة تنتظر العابرين ولجت داخلها كانت رائحة غير مريحة، وعمالة ملؤوا مقاعدها بعد أن فرغوا من أعمال شاقة في نهار حار، عفن يصدر من تحت أباطيهم وأنوف تستنشق مكرهة، نحو مقهى بمبناه الكئيب في كيلو 7 يعد مقرًا يجمع عمالًا وطلابًا ومسافرين، الكرسي الخشبي المجدول سكني، وضعت بقشتي بمحتوياتها من ملابس، كانت الزجاجة الفضية تملأ المكان مرحًا بمشاهدة الممثلين غوار الطوشي وياسين وقفت أحلل عبارته التي يكررها (إذا أردت أن تعرف مافي البرازيل.. عليك أن تعرف مافي..) يعقب ذلك ضحكات الموجودين مع صوت رشفات فناجين الشاي، وغير بعيد من يمسك لي الشيشة ويحر نفسًا كبيرًا يعقبه دخان كثيف ينتشر في فضاء المكان ليستمر في ملء رئتيه ونفثه مرة أخرى، المقهى الضاج بالأصوات والسحنات المختلفة استراحة للقادمين من مواقع بعيدة، ثقافات وسحنات بشرية ولقاءات يومية دون التعارف، هكذا المدينة جافة المشاعر، عدت بذاكرتي إلى وادينا وادي قوب الذي يزهو بحقول الحنطة، وأهل القرى الطيبين، وآبارها التي تمد السكان بالماء العذب وكذا غدرانها تستقبل الراغبين في السباحة، كانت الكتب السميكة التي استلمتها من الجامعة تصرفني عن التمتع بتلك الذكريات، بحث عن الجغرافيا البشرية، وترجمة لنصوص جغرافية، ودروس في اللغة الإنجليزية، وموضوعات في الثقافة الإسلامية، وخرائط نرسمها بدقة متناهية، وعواصم عالمية، وتضاريس متنوعة، ودكتور متصلب في التقديرات، انهماك مستمر، وسكن في مقهى يضج بالأصوات، وكركرة الشيش ومسلسل غوار، كان.. الأنيس الذي أفضي له عن همومي زميل جاء من شرق البلد أحدثه عن جمال قريتي وأهلها الطيبين ومبانيها الحجرية ومساربها وحقولها وطيورها يستقبل حديثي بإصغاء لأستمع لحديثه عن مزارع النخل وعيون تنبجس من بطونها المياه وعن شركات ضخمة تنقب عن البترول، في ظهر ارتفعت درجة حرارة المدينة إلى قرابة الخمسين درجة مئوية، امتطيت تاكسي أصفر عائدا إلى جبال شامخة ترفل قراها في ثوب أخضر.

ماذا تقول عن إصدارك الأول في القصة؟

إصداري الأول مجموعة “فضة” والذي شكّل لي فرحة لا تُنسى، إذا احتوت المجموعة على تسع عشرة قصة قصيرة وقد احتفلت وقتها بطريقتي الخاصة، وما زالت تمثل لي القيمة الأهم من بين مجموعاتي القصصية الأخرى، وحظيت بقراءات نقدية ثرية زادت من بهجتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com