د. جعفر الهدي: مشهد مخبوزات والدي لا أنساه، وروايتي “شارع المعارض” ولادة حياة

الاتجاه – مريم الحسن:
هذه الفقرة (ضيف ليالي رمضان) أردنا من خلالها أن تكون مدخلًا لنا، لنقلب بعضًا من صفحات كُتاب القصة، من الأدباء الذين عشقوا هذا الجنس الأدبي الجميل – السرد، وتماهوا مع جمالياته وفنه ومتعته.
ولقاء اليوم مع الأديب البحريني (د. جعفر الهدي) .. فتعالوا لنتعرف على ما قاله لنا:
ماهي ممرات الفرح التي لا تنساها في حياتك؟
بفضل الله ممرات الفرح في حياتي كثيرة، وربما تكون أيام ولادة بناتي وأبنائي هي أغلى أيام فرحي، فتلك الأيام تشعرني بتجدد الحياة وطعم الأمل فيها، ولا شك أن أيام الإنجاز في مجال الدراسة أيضا لها موقع في القلب والنفس، فمثلا يوم تخرجي حاملا شهادة الدكتوراه كان يوم فرح وسعادة وسرور لي ولعائلتي.
وأخيراً كان صدور أول كتاب مطبوع وهو رواية (شارع المعارض) بمثابة يوم ولادة للحياة والأمل.
لو دار الزمان وعدت تسكن في بيتك القديم وتجلس مع أهلك وأحبابك في شهر رمضان بدون انترنت أو جوال توافق أم لا؟
حينما أستعيد طعم الفرح والسعادة التي كنت أشعر بها في منزلنا القديم سأقول نعم سأوافق على العودة لذلك المنزل، حيث لا إنترنت ولا جوال ولا تلفاز ولا وسائل الاتصال حديثة، وكان ذلك الراديو الصغير الذي اشتريناه أنا وأخوتي هو مصدر الصوت الغريب الوحيد الذي كان يصدح بذلك الفناء الواسع، وكان حينها طعم الأشياء مختلفا ومليئاً بالسعادة والفرح والبهجة . ولا شك أن الإنترنت أصبح شيئا مهما في حياتنا، لكننا نتذكر تلك الأشياء البسيطة التي كانت تفيض بالأحاسيس العميقة والدفء والراحة والطمأنينة مع البساطة التي نفتقدها اليوم.
صورة حية عشتها لا تنساها في أيام الشهر الكريم ومنها نبضت حروفك وكتبت عنها نص له شأن خاص عندك.
ذكريات الشهر الكريم التي حفرت صوراً مبهجة ومفرحة كثيرة وقد حولتها إلى أجزاء من بعض الروايات والنصوص القصصية التي كتبتها، وربما تكون رواية “جدار الملح” قد حملت الكثير من هذه الصور، ولعل صورة والدي وهو يدخل من باب المنزل الكبير حاملا كيساً به بعض المخبوزات الطازجة هي أحد الصور المحفورة في ذاكرتي، فهي تثير كل حواسي، فهذه الصورة تمثل ذروة العاطفة أو لنقل لحظة سموها مع الأب، وهو عائد بعد تعب طويل، وأذان المغرب قد اقترب بعد أن جال شوارع البحرين ومناطقها في سيارته التاكسي المرسيدس، وهذه الصورة تحمل رائحة معينة، فأنا كل ما اتخيل هذه الصورة أشم رائحة المخبوزات الطازجة التي لا أستطيع أن أستعيدها اليوم، بالرغم من تطور المخابز وتنوع المخبوزات فيها، وهي أيضا تحمل طعم المفاجأة وطعم الترقب، فقد كان الكيس غير شفاف لا نعلم ما به، ولذلك ورغم أننا نعرف بأن الوالد لا يأتي إلا بالأشياء الجميلة، فإننا كنا نترقب ذلك الكيس. الصورة أيضا تثير حتى حاسة السمع حيث ورق ذلك الكيس يصدر صوتاً خاصاً، وبدا خله ذلك الكعك يعني هي حالة من الإثارة لكل المشاعر ولكل الحواس رغم بساطتها.

في رمضان هل تستشعر القصة أم هي تستشعرك بمعنى يلوح لك طيفها أم أنك تبحث عنها لتكتبها؟
في الواقع أنا لا أفتش عن القصة ولا أركض وراءها، ولكن الخيالات تزورني بين الفينة والأخرى في شكل أفكار أولية للقصة أو الرواية وتظل تخمر في عقلي وربما تتغير وقد اتركها فترة من الزمن ثم أعود إليها وأبدأ في كتابتها وقد تأتي أحيانا فكرة مكتملة.
مما لا شك فيه أن الكاتب حينما يبدأ بالكتابة فهو قد قطع مرحلة طويلة من القراءة والتأمل وإعادة صياغة الأفكار حتى وإن بدأ وكأنهم يجلس بلحظة معينة ليجد أفكار القصة أو الحكاية فالحكاية لا تبدأ فجأة، أنها كالنبتة تولد ثم تتبرع حتى تصبح قوية.
أول نص كتبته هل كان في الشهر الكريم وإذا كان هل تعرضه علينا؟
كنص مكتمل لا أتذكر أنني أنجزت ذلك في الشهر الكريم لكن الأفكار والتأملات ربما يكون الشهر الكريم له الكثير من حالات التفضيل حيث يكون فيه العقل و الجسد والنفس والروح في حالة من السمو والروحانية، وأنا أتذكر أحد نصوص القصة القصيرة التي كتبتها بعنوان (حديث لوحة) وهي عبارة عن تأمل الذات في شكل لوحة يعني أنت تقف أمام صورتك فترى الفرق بين الصورة المخزنة في ذهنك عن نفسك، فربما تكون تلك الصورة تمثل أزهى الصور التي تعتقد أنك كنت عليها، فأنت تصدم في لحظة من التأمل أن تشاهد صورة جديدة، ربما وأنت تتصفح ألبوم صورك فتدرك التغيرات التي جرت على ملامحك تحديدا.
من المعلوم أن الإنسان من الصعب أن يشعر بالتغييرات التي تجري عليه، فهو يظن أنه لا يتغير كثيرا، لكن في لحظة معينة يشعر بذلك الفارق، الذي يشعر به الناس الآخرون من تغير يطرأ على ملامحك، لكن في لحظة معينة أحيانا تشعر بذلك التغيير، الذي يحدث لك نوعا من الصدمة.

ماذا تقول عن إصدارك الأول في القصة؟
أقول بأن إصداري الأول في القصة القصيرة كان ثمرة قطفتها قبل أن تنضج تماماً، وكنت أتمنى لو إنني تركتها بعض الوقت لتتنفس أكثر وراجعت الكثير من الأفكار، فلربما جاءت بشكل أبهى وأفضل.



