بخيت طالع: فرحة أول صيام قرأتها في عيني أمي، و”حفلة الجن” زفتني عريسًا

الاتجاه – مريم الحسن:
هذه الفقرة (ضيف ليالي رمضان) أردنا من خلالها أن تكون مدخلًا لنا، لنقلب بعضًا من صفحات كُتاب القصة، من الأدباء الذين عشقوا هذا الجنس الأدبي الجميل – السرد، وتماهوا مع جمالياته وفنه ومتعته.
ولقاء اليوم مع الكاتب القاص (بخيت طالع الزهراني) .. فتعالوا لنتعرف على ما قاله لنا:
ماهي ممرات الفرح التي لا تنساها في حياتك؟
ممرات فرح كثيرة في حياتي، تزفني تارة للأمام خطوة وللأعلى خطوة أخرى، والفرح في تقديري هو الأكثر تبجيلًا في حياتنا، وأرى أنه يتعين علينا أن نقبض عليه، نعيشه، ونتمتع بتفاصيله حتى أخر قطرة.
ومن ابتهاجاتي في الواقع، فرحي بأول صوم في حياتي، حيث قرأت الفرحة عريضة أيضًا في عيني أمي، وفرحت بتخرجي معلمًا في ليلة دعونا فيها جيراننا على وليمة قوامها كبشًا أقرنا، وبأول كتاب أصدرته ضممته إلى صدري بحميمية، وبزواجي من المرأة التي سندت ظهري وشدت أزري، وبعدة لقاءات وتحقيقات واستطلاعات صحفية من داخل وخارج المملكة، قال عنها رؤسائي أنها مميزة.
فيما الخيبات والعثرات والحوادث في حياتي كثيرة كذلك … مثل حاث سير وقع لي في المرحلة الثانوية، عندما عبرت سيارة مجنونة من فوق جسدي ونجوت بأعجوبة … لكنني أحاول في كل مرة أن أنهض من تحت ركامها بالدعاء والتضرع لله، معتبرًا إياها أمرًا طبيعيًا وناموس حياة، وأجدها كذلك شحنات تجعلني أقف على قدميّ بثبات، وأعود أقوى.

لو دار الزمان وعدت تسكن في بيتك القديم وتجلس مع أهلك وأحبابك في شهر رمضان بدون انترنت أو جوال توافق أم لا؟
يااااه .. نعم، نعم … سأوافق وبقوة، كي أجتر لو تمكنت طفولتي العفوية البسيطة مجددًا، أود أن أعود لبيتنا الحجري المسقوف بخشب العرعر، وأسمع طقطقات المطر ليالي الشتاء تلهب سطح بيتنا بسياطها، وأنا متكور في ظهر أمي ألتمس الدفء، وأتمتع بصوت معزوفة موسيقى “الرعوش” حال توقف المطر، وأرقص مع الفراشات فوق الأزاهير حول بيتنا، و”أتشعبط” في شجر اللوز الحجازي مطاردًا ثماره، وأنكب على بطني أرتوي من (الفلج) جدول الماء القادم من البئر لري الحقول، ومع الرفاق ونحن نصيد الحمام ليلًا، في كمائن بعد تغطية فوهة البئر بالشراع، وأسبح في الغدران، وأتسلق حصن أجدادي ذي الخمس طبقات في مسابقات تحدٍ مع أندادي.

صورة حية عشتها لا تنساها في أيام الشهر الكريم ومنها نبضت حروفك وكتبت عنها نصًا له شأن خاص عندك.
الحقيقة أنني كتبت عدة صفحات بدفتر “أبو أربعين”، خواطر وحكايات ويوميات، وأنا بالمرحلة المتوسطة، وأطلعتُ عليه بعض الأصفياء من رفاقي، كنتُ أقرأ لهم، وهم بين معجب وساخر، كنت أظن أنني قادر على تأليف كتاب في تلك السن، ثم احتفظت به في خزانة كتبي، وفجأة رأيت أنه مجرد حلم طفولي سخيف، فأمسكت به ذات ظهيرة ثم قذفت به نحو عين الشمس، لا أدري هل كنت مخطئا أم لا …. ؟
ولو كنت حينها قد قرأت ما قاله فيلسوف الأمل “إرنست”: (لا تدفنوا أحلامكم في التراب خشية الخذلان فتفقد الروح بهجتها ويصيبها الوهن) لربما غيرت رأيي.

في رمضان هل تستشعر القصة أم هي تستشعرك بمعنى يلوح لك طيفها أم أنك تبحث عنها لتكتبها؟
شيطان القصة يراودني بين فينة وأخرى، بشكل عجيب وغريب، لم أجد له تفسيرا حتى اللحظة، ولعلكم تصدقون أنني في مرات أكتب ثلاث قصص في أسبوع واحد، ثم أظل أهذبها بالطبع لفترة … وفي مرات أخرى أظل لأسابيع أو حتى أشهرًا لا أرى طيف عفريت القصة، أفتقده، ولا أعرف سر غيابه، ربما لأنه مشغول يوزع غزاوته بين مجانين وعشاق القصة حول الأرض.
في كل الأحوال … ومن تجربة، أظن أن الإبداع يُكتب ولا يُستكتب، يأتي طوعًا لا كرها.
أول نص كتبته هل كان في الشهر الكريم وإذا كان هل تعرضه علينا؟
أول نص “مستقيم” فيما أحسب، كتبته وكان عنوانه “الفرّاش”، في سنواتي الأولى وأنا معلما، عن معاناة موظف – شيخ عجوز – من عمال مدرستنا، حفر الزمن أخاديده على وجهه، وقبلها أحرقت الشمس وحياة البحر وأمواجه المخيفة ملامح محياه، ونسى نفسه ولم يتزوج رغم معانقته للستين من عمره، قصة كفاح مذهلة، خلطتُ معها بعض الخيال، ونشرت بمجلة “اقرأ” وأوردتها في مجموعتي القصصية الأولى، ثم غادر ذلكم الإنسان البسيط دنيانا في نهاية “دراماتيكية”.

ماذا تقول عن إصدارك الأول في القصة؟
إصداري الأول كان مجموعتي القصصية “حفلة الجن” 2011، صدرت عن النادي الأدبي بالباحة، وقد توجتني لاحقًا القاص الأول بالمنطقة، في مسابقة نظمها النادي عام 2014 … وقد كنت قلقا على الغلاف، باعتباره اسما ورسما من مفاتيح الوصول لقلب القارئ.
دار النشر في بيروت ظلوا يتواصلون معي عبر الإيميل للموافقة على الغلاف، حينها كنت في رحلة إعلامية، في كولومبو العاصمة السريلانكية، ومشغول ببرنامج الرحلة الدقيق، واضطررت للموافقة على ثاني خيار على مضض، ولعله كان مناسبًا، لا أدري …
وطبع الغلاف على أية حال، فكان أشباحًا على حافة بحر أو نهر، في طقس سماؤه مظلم، وأفقه بلون الدم.



