د. جمال الدين علي: جائزتي لأول صيام نعجة، وأول قصصي المنشورة محفوظة بدولابي

الاتجاه – مريم الحسن:
هذه الفقرة (ضيف ليالي رمضان) أردنا من خلالها أن تكون مدخلًا لنا، لنقلب بعضًا من صفحات الأدباء وكتاب القصة تحديدًا، الذين عشقوا هذا الجنس الأدبي الجميل، وتماهوا مع جمالياته وفنه ومتعته.
ولقاء اليوم مع الروائي والقاص السوداني (د. جمال الدين علي) .. فتعالوا لنتعرف على ما قالته لنا:
ما هي ممرات الفرح التي لا تنساها في حياتك؟
من ممرات الفرح التي لا أنساها، عندما أكملت صيام يومي الأول في رمضان، لقد كان من اللحظات التي عبر فيها الفرح من تلك الممرات .. وكذلك أول مرة أقرأ اسمي تحت نص قصصي منشور لي في صحيفة البلد الرسمية.. وغيرها من اللحظات الخاصة المفرحة في حياتي.

لو دار الزمان وعدت تسكن في بيتك القديم وتجلس مع أهلك وأحبابك في شهر رمضان بدون انترنت أو جوال توافق أم لا؟
دعني أحكي لك هذه القصة، وبعدها نترك إجابة سؤالك للمتلقي.
كنت صبيا حينما دفع بي أبي للعيش مع جدي وجدتي في قرية خجولة تختبئ من النيل خلف الشلال السادس.. هجرة عكسية من المدينة إلى الريف. كنا في الحوش الفسيح جدي وجدتي وأنا نتناول وجبة العشاء تحت ضوء القمر عندما أعلن المذيع في نشرة الساعة الثامنة ثبوت هلال الشهر الكريم.. لا أدرى كيف استدرجني جدي لذلك التحدي. “بكرا أكمل صيام” اليوم والنعجة أم دلايات لك حلال زلال. قال جدي بصوت الواثق من نفسه.
أضاف: على فكرة هي دافع للوالدة ويا الله العالم، بس بطنها تقول ستلد تؤام. أشار بأصابعه في وجهي. يا له من شيخ ماكر، أكملنا وجبة العشاء شرائح خبز القمح الرهيف (فطير) صنع جدتي مع حليب غنم ساخن محلى بالسمن البلدي والسكر. وأدينا القسم أنا وجدي. شهد على ذلك القسم جدتي والقمر ومصباح صغير. جدي يا لك من ماكر تعرف تعلقي بتلك النعجة دونا عن بقية القطيع، وتعرف أنني أطلقت عليها اسم ام دلايات.
أشرقت شمس ذلك اليوم وكأنها تطلبني دين. على أية بعد عدة اغماءات وعدة محاولات فاشلة لخروج الروح أكملت ذلك اليوم. كان صوت أذان المغرب أعظم صوت في الوجود وكانت فرحة عرفتها. وكان العيد عيدين. حصلت على النعجة أم دلايات، ولم تخيب ظن جدي، ولدت تؤام ذكر وأنثى، أطلقت عليهم ورد ووردة.
المخضرمون من أمثالي يعرفون أنهما أبناء الليث الأبيض، وهو مسلسل أطفال كان يذاع في التلفاز على أيامنا.
من كل ذلك تعلمت أنه لابد من تضحية يقدمها المرء للحصول على مبتغاه.

صورة حية عشتها لا تنساها في أيام الشهر الكريم ومنها نبضت حروفك وكتبت عنها نصًا له شأن خاص عندك.
ليالي القرية في العادة هادئة، لكن في رمضان تصبح أزقة وساحات القرية كرنفال ألعاب ومسابقات، لاسيما لنا نحن الأطفال.
لعل فترة عيشي بالقرية شكلت وجداني المعرفي والثقافي والموروثي، وبالطبع كل ذلك ينعكس على المرء. من يقرأ لي يجد كل تلك التفاصيل وقد يشم بعض الروائح أيضا. رائحة الطين المبلول. رائحة المحاصيل. حريق مخلفات الحصاد وسعف النخيل. وقد يسمع تلك الأصوات، أنا أسميها صوت الحياة. جريان النيل. جريان الماء في أحواض الزرع العطشى. أصوات صغار الأغنام عند مفارقة الأمهات في الصباح الباكر وأصواتها لحظة عودتها من المرعى… في تلك البيئة اكتشفت أن هناك حياة موازية، في تلك الحياة تعرفت على صديقي الباترا وأمه الدولة وصديقه البومة الحكيم. شاهدت أبشع انتهاك يمارسه الإنسان تجاه جسد الإنسان. خصي الصبي فلين. عشق شامة له وتمسكها به. وغيرها من الشخوص حيوات وحيوات عشتها مع كل تلك الشخوص. كنت أحدثها وأنا طفل صغير أجلس قرب النيل ألقي على وجهه الحجارة، ولم أدر أنها يوما ستكتبني وأنا شاب يافع ورجل كبير.

في رمضان هل تستشعر القصة أم هي تستشعرك بمعنى يلوح لك طيفها أم أنك تبحث عنها لتكتبها؟
أنا أعتقد أن القصة هي التي تستشعر المبدع وتظل تشاغله حتى تستفز مخيلته فيجد نفسه متورطا، ثم يكتشف الخديعة بنهاية النص. لذلك نرى أن القصة هي التي تكتبنا. بالطبع لا يرتبط ذلك باي قيود زمكانية. رمضان الشهر الفضيل هو مجموعة قصصية. السمو الروحي والطمأنينة في النهار، لمة العائلة في الليالي، كل ذلك يشعرك أنك تعيش قصة حياة مختلفة عن تلك التي كنت منغمسا فيها.

أول نص كتبته هل كان في الشهر الكريم وإذا كان هل تعرضه علينا؟
لم يكن أول نص كتبته في الشهر الكريم، ولو أن أول يوم صمته في الشهر الكريم، اعتبره قصة لطالما ضحك عليها أبنائي.
ماذا تقول عن إصدارك الأول في القصة؟
هي قصة كتبتها في المرحلة الثانوية، أعطيتها أستاذي في شعبة اللغة العربية لمعرفة رأيه ونسيت الأمر. بعد حوالي أسبوع أو أكثر طلبني الأستاذ في مكتبه في فسحة الفطور. ما إن دخلت عليه، قام وفي يده صحيفة، فتح الملحق الثقافي على طاولة مكتبه، وأشار بإصبعه. اسم من هذا؟
ظلت تلك الصحيفة في دولاب ملابسي.. كنت افتحها أقرأ اسمي ثم أدسها في مكانها.




