مقابلات وتقارير

حسين بن صبح: سمبوسة أمي “بيتوتية” خالصة، ورمضان متعة القراءة

الاتجاه – مريم الحسن:

هذه الفقرة (ضيف ليالي رمضان) أردنا من خلالها أن تكون مدخلًا لنا، لنقلب بعضًا من صفحات الأدباء وكتاب القصة تحديدًا، الذين عشقوا هذا الجنس الأدبي الجميل، وتماهوا مع جمالياته وفنه ومتعته.

ولقاء اليوم مع الأديب القاص (حسين بن صبح) .. فتعالوا لنتعرف على ما قالته لنا:

من ممرات الفرح في حياتي خلال رمضان:

السمبوسة، التي كانت تعملها أمي، سمبوسة أمي أكثر لذة، أكثر طعامة، وأكبر حجما وسهلة الهضم ومشبعة وذات قيمة غذائية، وتولد لدينا طاقة وسعادة وفرح، كل مكوناتها التي تعملها أمي من إنتاج مزرعتنا التي تهتم بها أمي، الدقيق من سنابل مزرعتنا وما يضاف إليها من طماطم وبصل وسنّوت من حديقة منزلنا الخلفية، واللحم إحدى خراف غنمنا التي ترعاها أمي.

قبل أن أصوم ….

كانت تناولني أمي نصيبي من السمبوسة بين العصر والمغرب، ثم التقي رفاقي من أطفال القرية، نأكل السنبوسة ونلعب الكرة، كانت القرية تعج بالأطفال، لا يوجد طفل في بيته حبيس الجدران، الأطفال منتشرون في ملاعب القرية ومزارعها ومساريبها وممراتها، أطفال هنا يلعبون، وهناك يتشاجرون، وفي الوادي يصيدون العصافير.

وعلى سيرة العصافير، نص “العصفورة الأولى” تلك العصفورة التي كدت أصيدها وهربت مني، كانت محاولتي تلك في رمضان، ذهبت مع أمي في الصباح إلى إحدى مزارعنا، وأعددت منسبتي جيدا، وضعت بها الطعم وأقمت الأدوات خير قيام، ونجحت الخطة، ولكنني لم أنجح أنا، فشلت في المحافظة عليها، رأيتها تطير من بين يدي، تطير وتأخذ قلبي معها.

وأتذكر عندما كنت طفلا ….

كنت أقلد الأطفال، الذين يبيعون التوت في قوارير الشطة، فصرت أعمل مثلهم، أحمل قواريري وأدور في القرية، أدور … وأدور، لا يوجد زبائن، كل الأطفال نائمون، عدا فتاة تكبرني بثلاثة أعوام أو أربعة، استيقظت من النوم وخرجت تتشمس بجوار منزلهم، تسألني ماذا يوجد لديك؟

– توت ….. هكذا أجبت.

تطلبني قارورة، أقدمها لها. انتظرها حتى تشرب آخر قطرة ثم تسلمني القارورة فاضية.

اطلبها الثمن؟

تجيب: لاحقا..

انصرف بحسرة ….

تلك الأيام لا أحد يستطيع أن يتشاجر مع فتيات القرية….

أكبر قليلا، والدي الذي يعمل في الرياض يرسل لي درّاجة، أصبح مميزا بين أندادي في القرية، فالذين يملكون درّاجات عددهم قليل جدا، ليلة العيد أجمع 16 ريالا، أخذت أجرا على تأجيرها ست عشرة مرة، تقريبا الآن أنا أغنى طفل في القرية، غدا العيد ولدي ستة عشر ريالا، سأشتري أنواع الطراطيع والحلويات.

 ليلة العيد نجتمع أمام دكان القرية، نساهم في إحياء القرية، نسهر حتى موعد أذان العشاء، تنطفئ بعدها الأنوار نعود إلى منازلنا نستعد للعيد.

ماذا كان سؤالكم ….؟

نعم تذكرت …. رمضان، كل أيام رمضان أفراح، في كل فصوله، في موعد الإفطار تحديدا، في الشتاء يكون مملا عند السحر، نستيقظ من النوم قبل الفجر بدقائق معدودة، نأكل سريعا قبل الأذان.

أما في الصيف فكان رمضان نوعا آخر من الجنة، القرية مليئة بالأهالي القادمين من المدن، ما شاء الله على أبنائهم؛ ملابس زاهية، نظيفة……

الحياة كانت ……..

تمر في القرية ببطء شديد، تزحف زحفا، نلتقي، نصلي التراويح، نلعب، نسهر مع بعضنا، نشبع من كل شيء.. مرت الحياة وأنهينا الثانوية وانتقلنا إلى المدينة، ثم عاقبتنا الحياة، تلك التي كانت تزحف، أصبحت تهرول، عبرت السنوات دون أن نشعر بها.

لذلك …..

لو خُيّرت أن أعود إلى الماضي لن أتردد، مباشرةً سأكسر جوالي وأرمي بكل أجهزتي، على شرط أن أجد قريتي تلك، ورفاقي أنفسهم، ولعبتي المفضلة، وأن أكرر محاولتي في صيد تلك العصفورة، وأعود أتذوق سمبوسة أمي من جديد وأساعدها في رعي أغنامها، وفي قطف الثمار وخاصة العنب.

نسيت أن أخبركم، كانت شجرة العنب (شجرة أمي) كانت تنضج في رمضان، وكان طعمها لا يقاوم، وكانت تنتج ثمرا كثيرا، وكانت أمي تهدي وتتصدق وتأكل وتأكلنا عنب؛ طعام أهل الجنة، كنا في الجنة وخرجنا منها.

خرجنا رغم أن شجرة العنب لم تكن محرمة علينا.

أما القراءات يا أصدقاء؛ فتزداد متعة في رمضان، على ألا تكون منهجا دراسيا. الصحف قصصا، وأخبار فريقي قصصا، والكتب التي انتقيها بنفسي قصصا، والكتّاب الذين أقرأ لهم؛ كتاباتهم تشبه القصص، وجسد الثقافة، الله على أيام جسد الثقافة، كل ما كان يكتب فيه قصصا، حتى الرسائل الخاصة حكايات عذبة.

يبدو أنني أجبت على جميع أو الكثير من اسئلتكم.

ربما تمردت على النظام الذي نصبتموه لي، هكذا أنا كثيرا ما أتمرد، وكثيرا ما أسلك طريقي الخاص، ومنهجي الخاص، وطعامي الخاص، وقراءاتي الخاصة، ووقتي الخاص، وأصدقائي؛ اختارهم بعناية فائقة.

هذا المنهج جعلني كثير الفشل، وخاصة مع من يديرني. لكنني راض عن ذاتي.. أعتقد هذا الأهم، أليس كذلك …. أطيب التحايا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com