هاني الحجي: اشتاق للطفولة ومدفع الإفطار بجبل الطوب، وكتابي القادم من وحي التراث الحساوي

الاتجاه – مريم الحسن:
هذه الفقرة (ضيف ليالي رمضان) أردنا من خلالها أن تكون مدخلًا لنا، لنقلب بعضًا من صفحات الأدباء وكتاب القصة تحديدًا، الذين عشقوا هذا الجنس الأدبي الجميل، وتماهوا مع جمالياته وفنه ومتعته.
ولقاء اليوم مع الأديب القاص (هاني الحجي) .. فتعالوا لنتعرف على ما قالته لنا:
ماهي ممرات الفرح التي لا تنساها في حياتك؟
ممرات الفرحِ التي تعبرنا بسرعة مضيَ عمرِ الإنسانِ كثيرةً منْ التخرجِ في المراحلِ الدراسيةِ إلى التخرجِ منْ الجامعةِ لكنَ، خبرَ قبولي في الوظيفةِ لمْ يكنْ فرحةً مكتملةً حينما تمَ تعيني في (الرياضِ) قبلَ أكثرَ منْ ربعِ قرنٍ كنتُ قلقا كيفَ سأخرجُ منْ بيئتي، وأهلي وأغادرُ أحبابي لأذهبَ للعملِ في الرياضِ، لكنْ معَ الوقتِ تأقلمتْ في المجتمعِ، وأحببتُ الرياضَ، واعتبرتْ الأحساءْ الأمُ التي ولدتني، والرياضُ الأمُ التي احتضنتْ شبابي.

لو دار الزمان وعدت تسكن في بيتك القديم وتجلس مع أهلك وأحبابك في شهر رمضان بدون انترنت أو جوال توافق أم لا؟
يا ليتْ وهلْ يرفضُ أحدٌ أنْ يعودَ لذاكرتهِ الطفوليةِ بكلِ جمالها نعيشُ بساطةُ تلكَ الأيامِ ننتظرُ سماعُ صوتِ مدفعِ رمضانْ فوق (جبلُ الطوبِ)، وقبلُ السحورِ نسيرُ معَ أطفالِ الفريجَ خلف (بوطبيلة)، وبعضَ الأهالي (يطلونَ) عليهِ منْ النوافذِ، وهوَ يتناغمُ معَ طبلتهِ (اصحىْ يانايمْ – وحدَ الدايمْ) لإيقاظِ أهلِ الفريجَ للسحورِ. حينما نجتمعُ معَ العائلةِ على مائدةِ الفطورِ، وبعدها نشاهدُ التلفازُ الذي كانَ أشبهَ بعلبةِ صندوقٍ أسودَ يرتبطُ (بأنتل مشبوك بسلةٍ تشبهُ القفصَ الصدريَ) ، ولمْ نكنْ نرتاحُ في المشاهدةِ حيثُ كانَ يتطلبُ الأمرُ الصعودُ إلى السطحِ عدةَ مراتٍ لتحريكٍ (الأنتل، وتوجيهُ السلةُ باحترافيةٍ لالتقاطِ البثِ) لأجلٍ تظهر لنا قنواتٌ (قطر، والبحرينُ، والكويتُ) لمشاهدةٍ (أمُ السواهي والدواهي وشركانْ شاركونْ وجحا) لمْ يكنْ مشاهدَة هذهِ القنواتِ بالمريح حيثُ ننزعجُ عندما يشوشُ البثُ، ويتطلبَ الأمرُ أحيانا ضربَ جوانبِ التلفزيونِ (بنعالِ زيبرية) لنستعيدَ البثَ بعدَ تشويشِ القناةِ ! تفاصيلَ صغيرةً وبسيطةٌ يعاودنا لها الحنينُ . لا أخفيكْم تراودني هذهِ الأمنيةِ بعد (التقاعدُ) أنْ أشتريَ بيتا في فريجْ (الشماليَ)، أوْ (الفاضلية) أوْ (المزرعْ ) أوْ (المبرز) الأحياءَ التي عشتُ فيها طفولتي ومراهقتي، لكنني أصطدمَ برفضِ الأولادِ.
حينما أتجولُ في أزقةِ الفريجَ والأحياء في إجازاتي لاستعادةِ الذاكرةِ، وإنْ وجدتْ نفسُ البيوتِ والصككْ البسيطةَ، إلا أنَ ساكنيها تغيروا، لمْ يعودوا أنفسهمْ أصدقاءَ الطفولةِ الذينَ لعبنا معهمْ (الزنبورُ وطقُ طاقيةٍ، والسكونة والكورة أمْ ريالينِ الملونةَ وشطِ بطٍ)، وإنَ حافظَ الفريجَ والحيّ على طرازهِ القديمِ، إلا أنَ الجيلَ الجديدَ لأولادهِ يعيشونَ فترةُ المعاصرةِ والحداثةِ.

صورة حية عشتها لا تنساها في أيام الشهر الكريم ومنها نبضت حروفك وكتبت عنها نص له شأن خاص عندك.
منذُ طفولتي كانَ في داخليٍ طفلٍ (متمردٌ) لا أحبُ القيودُ تقولُ والدتي – أطالَ اللهُ في عمرها – أنَ تمردي وعنادي أتعبها في تربيتي، ننتقلُ منْ التمردِ لأكاشفكم بصراحةِ عنْ موقفٍ وصورةٌ غيرتْ حياتي ووجهتني للكتابة في أحدِ شهورِ رمضانْ. كنتَ معَ مجموعةٍ منْ (شلةُ مراهقينَ) نذهبُ (بالسياكلْ) في نهارِ رمضانْ إلى نخلٍ (بو عبدُ الرحمنْ)، ونتسللُ داخلهُ في الوقتِ الذي لا يتواجدْ فيهِ صاحبهُ. نسبحُ في البركةِ، ونقطفُ منهُ (الرمانُ والترنجِ والكنارْ، وما تنتجهُ نخيلُ الأحساءْ منْ خيراتٍ، ونأكلها في وضحِ النهار) إلى أنَ وقعَ علينا صاحب النخل في أحدِ الأيامِ، وهوَ راجعٌ قبلَ موعدهِ (ليسقيَ النخلَ)، لمْ نستطعْ حينها الهروبَ، وكانتْ فضيحةٌ كبرى هزتْ الحيَ، وأهلهُ. وصلَ الأمرُ لأهالينا وأصبحنا حديثَ الحيِ، ومحلَ غضبِ الأهلِ.

في رمضان هل تستشعر القصة أم هي تستشعرك بمعنى يلوح لك طيفها أم أنك تبحث عنها لتكتبها؟
القصة في كلِ الأوقاتِ هيَ التي تسكنني، وتكتبني فالقصةُ بالنسبةِ لي علاجُ ليٍ أنسجها في مخيلتي لمواقفَ، وأحداث أكون مررتُ بها. أنسجُ حبكتها، وأحداثها كما أريدُ ليسَ على الصعيدِ الشخصيِ، بلْ حتى في الأحداثِ الكبرى على مستوى الأمةِ والعالمِ. القصةُ عالميٌ الذي أعيشهُ في عزلتي وبمخيلتي فيها المثاليةُ والتمردُ، وأعالجُ بها الأوضاعُ التي أراها مائلةً، وأحققُ بها الأمنياتُ، وأهربُ بها منْ وجعِ الواقعِ، وأحققُ رغباتي، وأخرجَ بها منْ زنزانتي المجتمعيةِ. القصصُ التي أنسجها في مخيلتي بالمئاتِ، ومعَ ذلكَ أؤجلُ كتابتها على الورقِ أوْ (اللابْ توبْ) حتى تتبخرَ منْ ذهني. أحيانا أجلسُ لكتابةِ قصةٍ نسجتها في مخيلتي على (الكمبيوتر)، لكنْ أتوقفُ فجأةِ عنْ الكتابةِ، لا أريدْ أنْ أخرجها منْ أنسجتي الذهنيةَ يكفي أني استمتعَ بها في مخيلتي، ومعَ نفسي، وأتناقلها بينَ روحيٌ وعقليٌ. أتوقفُ عنْ كتابتها، ونشرها لأني لا أريدْ لأحدٍ أنْ يتلصصَ على ما أفكرُ فيهِ داخلَ أعماقي. إنَ كانتْ روحي تتعبُ منْ القصصِ التي كتبتها بعقلي فكيفَ سيتقبلها غيري؟ !، أكتفي بها محفوظةٌ لفترةِ داخلِ صندوقِ ذاكرتي، حتى تطيرَ في فضاءِ المجهولِ

أول نص كتبته هل كان في الشهر الكريم وإذا كان هل تعرضه علينا؟
لمْ يكنْ أولَ نصوصي في رمضانْ، ولكنْ كتبتْ نصوصا في شهر رمضانْ استوحيتها منْ واقعٍ عشتهُ معَ أسرتي وأصدقائي.

ماذا تقول عن إصدارك الأول في القصة؟
أولُ إصدارِ لي بعنوانٍ (ليلةٌ خروج المنتظرَ) صدرَ عامُ 2008 م. استعجلتْ في الطباعةِ، وفي العنوانِ، والغلافُ، وربما المضمونُ. لأني في مرحلةٍ لاحقةٍ منْ عمري – كما ذكرتْ – بدأتْ اقتربَ منْ المنهجِ (العقلانيَ الناقدِ) -إن صح التعبير- .
وستصدرُ لي إنْ شاءَ اللهُ مجموعةً قصصيةً تتضمنُ قصصا منْ التراثِ المجتمعيِ الدينيِ بالأحساء بعنوان (ملاية الأحساء) صدرتها بهذهِ الجملةِ. “سأحترمُ طقوسَ والدتي وإنْ كنتُ غير مقتنعا بها، حتى لأتشعرْ يوما أنها أخطأتْ تربيتي”



