مريم الحسن: مزرعتي الحساوية جنتي، و”آخر المطاف” فاتحة انطلاقتي

الاتجاه – بخيت طالع الزهراني:
هذه الفقرة (ضيف ليالي رمضان) أردنا من خلالها أن تكون مدخلًا لنا، لنقلب بعضًا من صفحات الأدباء وكتاب القصة تحديدًا، الذين عشقوا هذا الجنس الأدبي الجميل، وتماهوا مع جمالياته وفنه ومتعته.
ولقاء اليوم مع الروائية والقاصة والتشكيلية (مريم الحسن) .. فتعالوا لنتعرف على ما قالته لنا:
ماهي ممرات الفرح التي لا تنسينها في حياتك؟
ممرات الفرح التي نعبر منها في حياتنا كالنسيم العليل المكلل بعطر الزهور، وهو من الألطاف الإلهية التي تمسد القلب وتشفيه من أوجاع الزمن، تسمو مشاعرنا ونشعر بالغبطة والفرح حين تتحقق أمانينا، وهناك الكثير من الأماني، تمنيتها وحلمت بها وتحققت، في اعتقادي وقناعتي التي أؤمن بها هي أننا بمجرد ما نتمنى ونسعى تتحقق كل الأماني، كم وكم من أمنيات تمنيتها وتحققت لأني لا أتمنى إلا بإيمان مطلق أن ما أريده سوف يتحقق بحول الله وقوته.
من الأماني التي كنت أرجوها وأستطيع أن أذكرها هنا في هذا المقام هي أمنيتي بأن تكون لدي مزرعة في الأحساء أعيش فيها، تسمو روحي فرحاً وغبطة كلما زرت مزرعتي التي تمنيتها وحلمت بها في سني عمري التي عشتها في الدمام، وقد حقق الله لي أمنيتي وصارت معي المزرعة التي فيها بيتي، وما أروع الأيام والليالي التي أقضيها فيها تحت سماءها وأتنفس عبيرها من تلك الشجيرات التي زرعتها بيدي شجرة شجرة ونخلة نخلة، أول ما ملكنا أرضها كانت قاحلة، قلت لزوجي ابن لي فيها غرفة حالياً، إلى أن يتيسر لنا أن نبني فيها مبنى متكامل الخدمات نقيم فيه عند زيارة الأحساء والأهل.

– أحب الأرض المنبسطة، وأحب النظر باتساع السماء، أحب الأماكن الواسعة على امتداد البصر، وأحب الأرض الخضراء، وهيأت لي في مزرعتي هذه الأجواء التي أحلم بها وأحبها.
– حاوطنا الأرض بسور حماية من كلاب البراري وبنينا غرفة، ثم حفرنا العين وبدأنا نحرث الأرض ونزرع، وكلما نبتت شجرة غمر الفرح قلبي، وكلما غرد عصفور او صاح الديك او نقنقت الدجاج أشعر بالسعادة، لأننا صنعنا الحياة هنا، وصارت تلك الأرض الجافة خضراء يانعة بعد تعب طبعا، لأنها كانت جافة جدا، لكن بعد اصلاحها نبضت فيها الحياة.
– والى اليوم هي مصدر سعادتي وارتياحي، وأنتظر الإجازات لأرحل إليها بكل كياني وروحي وقلبي، وصارت هي جنتي، كثيرا جدا أسافر إليها من الدمام واعود منها الى بيتي في الدمام لا أذهب الى أي مكان آخر فقط هي.
طبعا لا بد أن يتخلل ساعات الفرح بعض الحزن الذي يكدر علينا فرحتنا وهي أيام كورونا التي انحبسنا فيها في منطقتنا وبيتنا في الدمام لمدة طويلة جدا لم أزر فيها مزرعتي، لكن بمجرد ما انفتحت الطرق وازيلت الحواجز وسمح لنا بالتنقل أول شيء قمت به هو الذهاب الى الأحساء قاصدة مزرعتي الحبيبة ، وبشوق شديد ارتميت في أحضان مياه العين التي غمرتني هي ايضا بدفئها وحبها الشديد لي كحبي لها وأكثر ، وغصت إلى أعماقها فرحة بمياهها مع قريباتي وأهلي ومنها انتقل لي المرض كورونا وعدت به الى الدمام وصارت لي معها ذكريات سيئة جدا وقت العزل والعناء والتعب ، والمرض، وابتعدت عنها بحزن يتصارع مع مشاعر الفرح بداخلي، وحاولت مع الأيام أن أعود إليها كما كنت وأكثر فهي التي تملك قلبي وحبي.
أحب مزرعتي حتى وإن كانت السبب في انتقال المرض لي.
ولا أنسى ممرات الفرح التي عانقتها في حياتي إصدار أول كتاب لي، روايتي الضياع، الذي كانت فرحتي به كفرحتي بمزرعتي الحبيبة فهي كالسماء الزرقاء التي أحبها ممتدة أمامي، كالغيوم الممطرة والنسيم العليل، تلك الرواية كانت فاتحة خير لي بها بدأت، ومن بعدها سلسلة اصدارات متنوعة بين القصة والومضة والرواية وأشرقت الأيام والشرفة وصقيع يلتهب وآخر المطاف وخذلان ونثار .. ومجموعة جديدة عثرات في نهار مالح في طريقها للطباعة، كلها شامخة في قلبي كالشجر الذي زرعته في مزرعتي.
طبعا الأمومة من ممرات الفرح التي تسمو بالروح، والشهادة العلمية التي كانت من أحلامي وحصلت عليها والسفر الى ورؤية العالم، وما زلت أحلم وأحقق، ولا زالت الأحلام تطرق أبواب سعادتي وتنتظر مني التنفيذ وأملي بالله كبير في تحقيقها.
ولعلي هنا أشير إلى أمنية مهمة جدا أمنية مفرحة مغايرة مختلفة قد تستغربون! ما أهميتها بالنسبة لي؟!
ولماذا كنت أتمناها؟!
كم كنت أحلم بها منذ صغري….
وهي مستحيلة، مستحيلة التحقق بالفعل.
وأتذكر حتى في منامي كنت أحلم بها كثيراً، ولا أمل لدي في تحقيقها ..
ذلك الفرح الذي تحقق بمعجزة ربانية، أدهشني الوضع كيف تحقق ذلك؟
كنت مدهوشة فعلا من تحقيق هذه الأمنية التي كنت أسرق من الزمن بعض الوقت لها في رحلاتنا البرية والبحرية وأمارسها متمردة على القوانين .. لكن كنت أختبئ هناك حيث لا أحد وأجربها .. خضت التجربة بسعادة وماكنت أعتقد أنها ستكون من حقي يوما ما..!
إنها القيادة يا سادة ههههه..
قيادة السيارة التي كانت حلم يتطفل عليا كثيرا، والان هي معي سيارتي الحبيبة التي أشعر بأني أملك الدنيا وأنا أقودها ذاهبة بها الى العالم والحياة والاستقرار الذاتي والنفسي.
مزرعتي التي أتحدث إليها كثيرا وسيارتي التي تحاورني وأحاورها كصديقة روحية وكتبي التي تمسد روحي وقلبي وآلامي هم أدويتي ومراهم أوجاعي.

لو دار الزمان وعدت تسكنين في بيتك القديم وتجلسين مع أهلك وأحبابك في شهر رمضان بدون انترنت أو جوال توافق أم لا؟
آخ لو يعود الزمان بأمي وأبي وأخي وكل من فقدت من الغوالي ما كان يمنعني عنهم لا أنترنت ولا جوال بل أنا سخرت هذه الأجهزة لتكون صلة وليس انقطاع، ببرامج التواصل صرت قريبة من الكل لأني كنت الوحيدة البعيدة عنهم، أنا وأخواتي عشر بنات كلهن في الأحساء ما عداي أنا البعيدة جغرافيا عن الكل، كنت أشعر بغربة كبيرة بعيدا عنهن وكنت أنتظر اليوم الذي استطيع فيه زيارة الأهل واستمتع بصحبتهن، كانت تمضي الأيام والأشهر وأنا بعيدة، حتى وإن زرت البلد ليس كالذي يعيش فيها .. كم تمنيت أن أعود الى ذكرياتي وأهلي والأزقة التي لطالما لعبت فيها وعبرت منها، تلك الطرق والأماكن التي لا أنساها .. كنت أشتاق لها كثيرا جدا .. وأشتاق الى كل شيء عشته من الماضي الجميل حتى أني أرى في منامي تلك الممرات وأعيش فيها طفولتي، وفي بعض الأحيان أحاول أن أختطف نفسي وأذهب في زياراتي السريعة للأحساء الى تلك الأمكنة لأروي شوقي وروحي العطشى لها أتأملها كثيرا والسعادة تغمر قلبي بفرح، والغريب هو أنني بعد أن أطفئ لهيب الشوق هذا تتوقف المنامات المتكررة وأنساها لا تعود تلح على ذاكرتي كالسابق ربما هو نداء من عقلي الباطن لتلك الأماكن أو شوق باطني بمجرد ما أشبعه يسكت عن الالحاح.
وهكذا تستمر روحي التي تهيم في ذكريات الماضي وذكريات أهلي وأحبابي وأبكي الأيام والليالي شوقا لهم حتى سطع النور بين يدي وتحقق الحلم وصرت أتحدث مع أختي وأخي وأقربائي عن بعد، و صرت أعيش معهم الأحداث والأيام والأخبار، وأشكو لهم ويشتكون لي ، وبمجرد ما أسمع أي خبر سيء عنهم أتواصل معهم وأطمئن عليهم ، برامج التواصل قصرت الطرق الطويلة وقربت البعيد وفتحت أبواب جميلة جدا لا أستغني عنها اليوم أبدا، فأنا هنا أعيش بعيدا عن أهلي ولكني بينهم ندردش ونضحك ونحزن ونبكي معاً، هم بقربي وأنا قربهم ، إن قلت آه يوما أجد أختي وأخي وخلاني من حولي.

صورة حية عشتيها لا تنسيتها في أيام الشهر الكريم ومنها نبضت حروفك وكتبت عنها نصا له شأن خاص عندك؟
في الشهر الكريم الكثير من الصور الحية التي عشتها ولا أنساها أبدا والدي كان حكاء، وكنا نجتمع حوله ويحكي لنا الحكايات “والخراريف” القصص والحكايات كنا نطلق عليها مسمى (خروفة) بتشديد الراء وكان والدي عليه رحمة الله يبدع في الحكايات المسلية والألغاز والنكات وكان يعلمنا الأحكام الشرعية والصلاة والوضوء، عن طريق القصص والحكايات.
كانت ليالي الشهر الكريم عامرة بالأنس وأنواع الطعام والذكريات الجميلة.
أتذكر والدتي في ليلة العيد حينما نسألها عن أبي ليلة الاستهلال تضحك وتقول لنا “أبوكم راح يجيب العيد”
نفرح كثيرا بهذا الخبر وعندما يتأخر أبي نعود إليها نسألها” يمة أبوي ماجا ولا جاب العيد” .. تقول “أبوكم جا وجاب العيد مكسر في مرحلة” ونفرح أيضا المهم أن العيد جاء حتى لو كان مكسراً، لا أعرف لماذا هو مكسر ربما القصد منها أن العيد لم يثبت وينتظروا حتى الصباح لرؤية الهلال.
وعندما يبشرها أبي بقدوم العيد تضحك بفرح وهي وتردد “لحقناكم يالفطر ونسيحكم في الأصفر” كان يوم العيد يوم فرح وخوف بالنسبة لنا لأننا لسنا صيام نخاف من العقوبة، إلى أن بدأنا نصوم حينها صار العيد يوم فرح بيوم العيد.
وكان أبي في هذا اليوم من كل عام يعلق لنا المرجيحة التي صنعها بنفسه من أعوام مضت لأخوتي الكبار فكان يحتفظ بها ليوم العيد يعلقها في براحة المنزل وكل الأقارب يأتون للمعايدة وللمرجيحة التي نسميها “دروفة” وكان منزلنا الوحيد في القرية الذي فيه هذا الترفيه وهذه العادة استمرت حتى لعبوا فيها أطفالنا الى بعد وفاة والدي بسنوات.
حتى تغير المكان وتغيرت العادات وانمحت الذكريات.
طبعا أنا كتبت عن الأحساء وحب الأحساء وليالي الأحساء والشوق الى الأحساء والرحيل والانتقال الى الدمام وكتبت الكثير من الأحداث المؤلمة والمفرحة من مجتمعي والقضايا الملموسة و الواقعية روايات وقصص كثيرة كلها ما زالت مسودات تقطن في أدراجي المظلمة حتى يومنا هذا لم أطبع منها شئ..
من بينها روايات تستحق الطباعة وما زالت تقرأ من أبناء وبنات قريتي والأشخاص الذين يحبون القراءة ويحبون قلمي يعودون إليها كل فترة يستمتعون بأحداثها.
ومن أمالي أن أنقحها وأطبعها…. ولا أعلم هل سأحقق هذا المنى.؟ …أرجو من الله ذلك.

في رمضان هل تستشعرين القصة أم هي تستشعرك بمعنى يلوح لك طيفها أم أنك تبحثين عنها لتكتبها؟
القصة تعيش معي وفي ذهني في كل الأوقات ، ليس في هذا الشهر فقط هي رفيقة درب ورفيقة روح ، القصة هي التي تقبض على وهي التي تسيرني كثيرا جدا ما كنت أحتفظ بالفكرة لأكتبها تشغلني في رواحي وغدوي وفي أكلي وشربي وفي منامي وصحوي وحينما أكتبها أجدها هي التي تسيرني ولا أستطيع أن أقودها فيما رسمته لها، تخرج من يدي وتسعى لوحدها بدوني فأجد نفسي قد أنهيتها بفكرة مختلفة عما رسمت له، بسيناريو مختلف عن ما فكرت فيه، أريد الشخصية هنا أراني وجهتها إلى هناك ، واريد البطل أن يأتي فلا يسمع مني يتمرد علي ويترك يدي ليسير هو في أحداث حياته وأنا أكون مجرد كاتبة لأحداث ليست مما فكرت فيه لأيام وساعات، و أخرج بقصة مختلفة تماما. وتبقى فكرة قصتي تلاحقني لذلك دائما يلوح لي طيفها.
أستغرب أحيانا من هذا الأمر … هل أنتم كذلك أم هذه حالة خاصة؟

أول نص كتبتيه هل كان في الشهر الكريم وإذا كان هل تعرضينه علينا.؟
كتبت الكثير من القصص والروايات في شهر رمضان وفي غير هذا الشهر في كل الأيام أكتب، أتذكر في هذا الشهر يتسنى لي الكتابة كثيرا بسبب طول النهار والوحدة والغربة فكانت الكتابة والقراءة تسليتي الوحيدة.
تلك الروايات التي أكتبها كانت عالمي الخيالي الذي أعيش فيه عن واقعي الساكن والهادئ، أما نص عن شهر رمضان خصيصا لا أتذكر، لكن ربما ذكرت الطقوس في بعض الروايات المكتوبة.

ماذا تقول عن إصدارك الأول في القصة؟
اصداري الأول في القصة ما هو إلا جموح من أحزان، ومجموعه من ” بقايا ألم ودموع ” يضج في عالم الإنسانية المخنوق بمشاعر ثائرة محترقة؛ أطبل بأقلامي ودفاتري فينساب حبرها على صفحات رمادية لم تزينها الألوان الإبداعية بعد .. لا زلت ألاحقها ولا أشعر بمدى اقتحامي لها..
كلما اقتربت منها وضربتها بعصا حروفي اللاهثة المغلفة بالضجر أسابق الصيحات الأدبية أشعر بمدى ضعفي وعنفوانها وقوتها، أضع قدمي على أول عتبه من قصتي الأولى فأرى أحرفي قزمه أمام عملاق الإبداع، وعبارات بوحي ضئيلة أمام عظمته … أتساءل دوماً .. هل طرقت أبواب الإبداع يا ترى أو ما زلت بعيدة عنه كل البعد ..؟!
أبوح بكلماتي وتعابيري بلا مفاضلة، قصة، رواية، حكاية، اقصوصة، نثر، شذرة، ومضة، لوحة تشكيلية. بكل وسيلة أطرق أبواب الإبداع ..
اصداري الأول، فاتحة مجدي كان رواية ودخلت الى عالم القصة بعد عدد كبير من الكتابات الروائية التي مازالت مسودات طبعت منها ثلاث روايات.
لو أنبش في دهاليزي المغلقة، وأبحث عن حروفي في أروقة الذكريات وأمسيات السمر، أجد أكثر من منفذ أنفذ منه لأعبث في أنقاضي المكسرة، وأتساءل هل يا ترى ما زالت أجراسي تطرق أبواب الزمن، هل يا ترى اصداري الأول في القصة يمكن أن أسميه قصص أم هي رسائل صارخة من ألم الزمن وأوجاعه.. في كل الأحوال أعتبر مجموعتي “آخر المطاف” فاتحة انطلاقي القصصي ثم “صقيع يلتهب” هو السراج الذي أنار طريقي ودفعني الى الأمام.



