القاص د. سلطان العيسي: القصة القصيرة عود ثقاب، إما أن يضيء العالم أو أن ينطفئ وحيدًا

حوار – مريم الحسن:
القاص (د. سلطان العيسي) ضيف حوارنا الرمضاني، وهو الحوار الذي نقترب فيه من حياة وفكر ضيوفنا عبر أكثر من نافذة، نقلب فيها أوراقهم، وننصت لتجاربهم، ونجعل من أيام وليالي الشهر الفضيل مرتكزًا لبعث الذكريات، المتصلة بفن القصة القصيرة …..
ما هي قصتك مع الأساطير، والقصص الشعبية الرمضانية في منطقتك، وكيف كتبت عنها؟
في الليالي الرمضانية حيث الأضواء تلامس الوجوه المبتسمة تخرج الحكايات من الأفواه مثل أغانٍ قديمة نسي الناس ألحانها، لكنها ظلّت تسكن في جدران البيوت؛ كنت أسمع عن “السعلوة” التي تتسلل في الطرقات، و”الغول” الذي يسكن الصحاري، وعن أولئك الأبطال الذين يقطعون البحار بحثًا عن كنوز مخبأة تحت الماء…
هذه القصص لم تكن مجرد حكايات تُروى بل كانت أقدامًا تمشي على عتبات الليل، فوجوه الأبطال أعرفها رغم أنني لم أرها قط، كتبت عن بعضها كما لو كنت أحد الناجين من أساطيرهم (شاهدًا لم يُقتل بعد) أحاول أن أضع بين السطور أنفاس الخوف الأولى، ودهشة الطفل الذي صدّق أن العالم مليء بما لا يُرى!

رمضان محفز للكتابة، هل من (ق ق ج) لك عن أجواء الصيام؟
“صيام”
في فناء منزلهِ وقبل الإفطار بدقائق، شعر بألم عميق (لم يكن متأكدًا إن كان بسبب الجوع) نظر إلى العصافير على الشجرة، عصفوران فقط ظلا يحدقان إليه، وإلى المقعد الفارغ بجانبه…
ثمة مواقف “غير متوقعة” صادفت مسيرة صيامك، فيها عبرة أو طرفة، هل تشاركنا إياها؟
في أول رمضان صمتهُ بالكامل كنت فخورًا كأنني فتحتُ مدينة مهجورة لوحدي، حينها -ومع كل فجر- كنت التهم كميات من الطعام أكثر مما كنت أحتاجهُ بالفعل، أدركت مع الوقت أن الصيام لم يكن شيء متعلق بالطعام في ذاتهِ قط، بل كان شيئًا أعظم بكثير.

ماهي تجربتك مع قصص الفانتازيا كتابة؟
الفانتازيا ليست هروبًا من الواقع، بل بحثٌ عن زاوية لم يرها أحد، كل فانتازيا مهما كانت غريبة لها جذور في وجوه عرفناها، وخيبات عشناها، حتى المخلوقات الغريبة، حين أتمعن فيها أجد أنها ليست سوى ظلٍّ لإنسان لم يفهمه العالم…
كتبت بعض قصص الفانتازيا وأرجو أن ترى النور قريبًا.
في عالمك الشخصي، كيف تمضي تعاملاتك مع الأسرة والوقت وأصناف الطعام في رمضان؟
رمضان يشبه القصة التي تتكرر كل عام، لكن الحبكة تتغير قليلًا؛ فالممثلون يكبرون، والحوارات تأخذ طابعًا أعمق، والوقت يسير فيه ببطء، لكنه حين يمر يترك أثره كزجاج مكسور في الذاكرة… أتعامل مع العائلة كأنني جزء من لوحة تنسجم فيها الألوان مع اختلافها؛ أما الإفطار فهو الطقس الذي يوقظ ذكريات الطفولة: رائحة الهيل في القهوة، طقطقة الزيت، والمائدة التي تجمع الجميع هي جزء من ذاكرة منقوشة على صفحة العُمر.

تواجه القصة القصيرة تحديات وجودية، كيف ترى هذا التحدي، وما واجب كتّابها لتعزيز مكانتها؟
القصة القصيرة مثل عود ثقاب، إما أن يضيء العالم للحظة أو أن ينطفئ دون أن يلاحظه أحد… مشكلتها أنها ترفض أن تكون مُطيعة، فهي لا تمنح القارئ الوقت الكافي ليعيش فيها، وعليه أن يكون سريعًا في التقاط رسالتها، ويظل التحدي الأكبر أننا نعيش في عالم لا يملك الصبر لقراءة شيء لا يمكن تلخيصه في جملة!
فواجب كُتّابها أن يجعلوها أكثر خطورة، أكثر قدرة على القبض على القارئ من عنقه، أن تكون القصة طلقة واحدة لكنها تصيب الهدف بدقة، فلا تترك له مجالًا لنسيانها.



