مقالات

قراءة تحليلية لقصيدة جناح “الدركتل” و “بُنّ الأصدار”

محمد بن مسعود العُمري

قراءة تحليلية في قصيدة شعبية بين جناح الدركتل وبُنّ الإصدار: التحولات البيئية والوجدانية في فنونها ….

يقول الشاعر في البدع:

“يا ضلع عيسان ما هزك جناح الدركتل”

“وسايق الراجحي وشله من الهول وشله”

“شيٌ يهده على دربه مع شي بنا”

“مدري وش الفرق بين أهل التهم وأمسراوي”

ويقول في الرد:

“قدّام للبنّ في وقت الجنا آحدّر اكتل”

“لعلّه الله بنوٌ جائِرٌ هلْ وشله؟”

“واليوم ما عاد شي كادي ولا شيّ بنا”

“يا بن الإصدار وش بك ضاميٌ وأمس راوي”

تُعد هذه القصيدة من النماذج البارزة في فن الشقر الشعبي، بل من عيون شعر العرضة لما تضمنته من أساليب بلاغية مثل الجناس، والرمزية، والوحدة الموضوعية، فضلاً عن استخدامها التضمين، والتكثيف الدلالي، والإيحاء. وقد أظهر الشاعر الشعبي من خلالها قدرة فنية على توظيف مفردات البيئة المحلية لتصوير التحولات الحياتية، محوّلًا الرمز الشعبي إلى صورة مجازية تنبض بالحياة، وتعكس التفاعل العميق بين الإنسان ومحيطه. وهكذا تشكّلت القصيدة لوحة شعرية تستنطق الجبال والسهول بلغة صادقة، تجسّد التحول في وجدان المجتمع، وتمنح القصيدة بُعدًا شعريًا يتجاوز اللحظة الآنية إلى أفق دلالي أوسع.

البدع؛ مفارقة بين الثبات والتغيير. يفتتح الشاعر قصيدته بمشهد جبلي متخم بالأسى والاستفهام، يبدأه من “ضلع عيسان”، وهو جزء من جبل عيسان الذي يكتسي في الذهن الجمعي بالصلابة والثبات. ثم يربط هذه الكتلة الجغرافية الثقيلة بآلة شق الطرق المعروفة محليًا بـ“الدركتل” وهي آلة جرف ثقيلة.

في البيت الأول يقول:

“ياضلع عيسان ماهزك جناح الدركتل”

يشير “جناح الدركتل” إلى السكين الأمامية التي يجرف بها، ولها حزامان حديديان جانبيان، وهي شبيهة بالأجنحة.

هنا، يُفجِّر الشاعر مفارقة بين صلابة الجبل واقتحام آلة التحديث له، متسائلاً عن جدوى هذا التغيير القسري.

تتلو ذلك صورة تساؤلية:

“وسائق الراجحي وشله من الهول وشله؟!”

“الراجحي” هنا قد يكون رمزًا لكل من أقحم آلة التحديث في موضع لا يحتملها، و”وشله؟” تعني ما الذي جاء به إلى هنا؟! وكأن الشاعر يعاتب، أو يتساءل: هل نحن في حاجة لهذا الشكل من الاقتحام؟

ويختم البدع بقوله:

“شيٍ يهده على دربه مع شيٍ بنا”

يطل علينا معنى مزدوج، تتقاطع فيه المشاعر والتجربة، وتختلط فيه الوقائع بالرمز.

ففي الشطر الأول، يُصوّر الشاعر حالًا من التنازع الداخلي بين ما يُبنى من علاقات ومواقف وما يُهدّ منها على ذات الطريق، وكأن ما يشيده البعض من وصل، يهدمه آخرون من غير قصد. ولا يُستبعد أن يكون في ذلك عتبٌ على بعض الأصحاب ممن طال بهم الغياب أو حالت الظروف دون دوام الوصل، لا سيما في زمن لم تكن فيه طرق الصعود من تهامة إلى السراة ميسّرة كما هو اليوم، مما جعل اللقاء أمرًا عسيرًا تفرضه الجغرافيا لا القلوب.

يُقدّم الشاعر تصويرًا ثريًا لحالة من التنازع بين البناء والهدم، وكأنّ الحياة نفسها تتحرك بين طرفي هذا الصراع؛ تُشيَّد فيها المعاني وتُهدم، تُقام فيها العلاقات وتتهاوى. ونفهم من هذا التوصيف أن الارتباط الجغرافي بين تهامة والسراة لم يكن سهلاً؛ فالمسالك وعرة، والوسائل محدودة، ما جعل الانتقال بين الجهتين محفوفًا بالمشقة، رغم قرب المسافة.

لكن المعنى المخبوء يميل إلى البُعد الإنساني أكثر؛ فعبارة “شي يهده وشي بنا” ترمز الى العلاقات التي تُبنى بالصداقة والوصال، ثم تشيخ وتضعف بفعل الجفاء أو فتور الود، حتى بان الشيب في الوجوه لا بفعل الزمن وحده، بل بفعل الاشتياق الطويل لما مضى من صحبة وعهد.

وفي هذا التصوير، تغدو الحياة كحلبة تناقضات: تُبنى فيها الروابط ثم تُهد، تُفتح فيها القلوب ثم تُغلق، بين لقاءٍ وانقطاع، وتواصلٍ ثم غياب. وكل هذه الاحتمالات التحليلية في البيت الشعري مدعومة بكلماته: “شيٍ يهده على دربه مع شي بنا” فهذا يقوي الاحتمال وفيه ما يدل على الاحتمالية.

فحملنا هذا البيت على ما يعنيه لا اشتراكه مع البيت الذي يليه. وهذا يمهّد للبيت التالي:

“مدري وش الفرق بين أهل التهم وأمسراوي”

فالحيرة الصادقة تتجلى:

في هذا البيت، يعبر الشاعر عن تساؤل بسيط ظاهريًا، لكنه عميق في معناه. الفروق بين أهل تهامة وأهل السراة جغرافية، لا ثقافية.

السراة تقع في منطقة مرتفعة عن تهامة، مما يجعل ظروف الزراعة تختلف. لكن من حيث الثقافة والعادات، فهي متشابهة.

فما بين تهامة والسراة ليس خلافًا في القيم، بل هما وجهان لنفس الروح. وكأن الشاعر يعاتب الزمان، لا الناس.

هكذا تتجلى في البيت صورة للوصل والقطيعة، لا كخصومة، بل كمسافة فرضتها الأيام، وعتبٍ لا يخلو من محبة.

الرد يأتي متماهيًا مع همّ البدع، ينعطف الشاعر إلى عالم الزراعة والمطر، مستدعيًا ذاكرة زمنٍ مضى.

يقول:

“قدّام للبنّ في وقت الجنا آحدّر اكتل”

في هذا الشطر، الشاعر يربط بين الماضي والحاضر، ومدى التغيّر الذي طرأ على زراعة البنّ.

… و”حدر” في اللغة: نزل من أعلى إلى أسفل.

تفصيل مختصر:

لغة: جمع مكيال، وهو ما يُكال به. واصطلاحًا: جاءت من الفعل كال، والكيل: تقدير الأشياء بحجومها.

ينتقل الشاعر إلى قوله:

“لعلّه الله بنوٌ جائِرٌ هلْ وشله؟”

يتضرع الشاعر في هذا البيت إلى الله أن يُنزل مطرًا غزيرًا لا عابرًا. وقد اختار كلمة “جائر”، وهي في أصلها الفصيح سلبية، وتعني الظلم والميل عن الحق، لكنها في البيئة الشعبية تخضع لتحوير دلالي، فتُصبح مدحًا ودلالة على قوة السحاب وغزارته.

فالسحاب “الجائر” لا يُفهم هنا على أنه ظالم، بل على العكس، هو سحاب قويّ، يُهطل بغزارة، كأنه “يسرف في الكرم”. وهذا انزياح بلاغي يندرج تحت ما يُعرف في علم البلاغة بـ”المجاز المرسل” أو “الاستعارة السياقية”، حيث تُؤخذ الكلمة من معناها الأصلي وتُصبغ بلونٍ من السياق يغيّر مدلولها.

وقد ورد في بعض المعاجم مثل الصحاح ولسان العرب:

“سيلٌ جِوَرٌّ”: أي مفرط الكثرة،

“غيثٌ جِوَرٌّ”: شديد الصوت، غزير الماء.

واستخدام الشاعر لهذا اللفظ يُجسّد حاجةً ماسّة إلى غيثٍ منقذ، فالسياق العام للقصيدة يوحي بوقت قيظٍ ويَبَسٍ، أي أن الناس في أمسّ الحاجة إلى مطر ليس عاديًا، بل غيثٍ يُحيي الأرض ويُفرح القلوب.

في هذا المعنى، تتجلّى جمالية الشعر الشعبي، الذي لا يتقيد بقيود المعاجم، بل يُطوّع الكلمة وفق حاجات الناس ومشاعرهم، ويُقدّم لنا بلاغةً نابعة من صميم البيئة وذائقتها.

و”هل وشله” – يقصد بها الأوشال…:؛ وهي مجارٍ مائية صغيرة يُنشئها الأهالي، تُشبه في بنيتها الفلجان، حيث يُعدّون مساراتها مسبقًا لتكون ممراً طبيعياً لانحدار مياه الأمطار من رؤوس الجبال، فتتجه نحو المزارع الواقعة في أطراف الوادي أو بمحاذاة السفوح الجبلية، وغالبًا لا تبلغ الوادي ولا تُحدث فيضًا، خاصة إن كانت كمية المطر قليلة؛ فيُطلق عليها الأهالي اسم “السَّملة” أي الماء القليل الذي لا يفيض لكنه يُرطّب التربة، ويفيد في حراثة الأرض تمهيدًا للزراعة الموسمية.

ويُعرف هذا النوع من الزراعة باسم “العُثري”، وهي الزراعة التي تعتمد على مياه الأمطار وحدها، سواء من الأوشال أو من السيول التي تملأ الوادي. أما إذا كان المطر غزيرًا، فإن “السيل العرمرم” يجرف ما أمامه، وينحدر من أعالي الجبال ليغمر الوادي، وقد يُغرق المزارع، ويتسبب في أضرار جسيمة.

ويُخلّد الناس ذكرى هذا النوع من السيول بتسميته باسم اليوم الذي وقع فيه، مثل “سيل السبت” أو “سيل الأحد”، ويُقرن كذلك بالسنة، فيقال: “جاء في سنة كذا”، فتظل ذكراه حاضرة في وجدان المجتمع كحدث مفصلي في تاريخ الزراعة والذاكرة الشعبية.

وعلى الجانب الآخر من الزراعة المطرية، هناك ما يُعرف بالزراعة المسقوية، وهي التي تعتمد على مياه الآبار، حيث تُجلب المياه بواسطة وسائل تقليدية للسقيا وتسمى محليًا “سوّوق البلاد”، أي إيصال الماء إليها.

وقفة توضيحية:

توزيع الماء في القرى الجبلية ينقسم إلى مصدرين رئيسيين:

الأول، السواقي (الساقية)، وهي التي تسقي البلاد عبر الوادي، إذ يجري فيها السيل المتكون من مياه الأمطار التي تنحدر من رؤوس الجبال.

الثاني، الآبار، وهي احتياط وقت القحط.

لكن أهم ما يميّز هذه القرى هو الأوشال: مجارٍ صغيرة تتكون من الأمطار وتروي مزارع العُثري (الزراعة التي تعتمد على ماء المطر). هذه الأوشال تُعد موسمًا للفرح والسرور، وتغدو رمزًا لحياة مترفة ولو إلى حين، في سفوح منطقة جبلية عريقة تتنازعها مواسم الشح والرجاء، وتئنّ صيفًا من قسوة القيظ وندرة الماء.

ويتابع؛ حتى يصل لنقطة التحوّل؛ غير ان الامل يتبدّد في هذا الشطر عندما يقول :

“واليوم ماعاد شي كادي ولا شيّ بنّا”

ومن ثم ينتقل بسلاسلة مترابطة بين شطري البيت٫ ويكمل ويقول:

“يا بن الإصدار وشبك ضاميًا وأمس راوي”

في هذا الشطر، يوجّه الشاعر خطابه إلى “بن الإصدار”، وهو رمزٌ قد يُفهم منه أحد وجهين: إما الإنسان الذي يعيش في مكان يُدعى “الاصدار”، أو أن “الاصدار” نفسه مجازٌ عن الأرض أو النبات أو حتى الذات. ويُفهم من سياق البيئة الجغرافية أن “الاصدار” هو مكان مرتفع يقع غالبًا في أطراف السراة أو في مناطق متوسطة بين السراة وتهامة، مثل “جبال شدا” أو قرى مثل “قرية بران”، وهي أماكن مشهورة بزراعة البن.

هنا، تأتي المفارقة المؤلمة؛ لا كادي – ذلك النبات العطري الزاكي الذي تشتم رائحته – ولا زرع يُرى. حتى الإصدار – أي مناطق الزراعة الجبلية المنخفضة – التي كانت مرتوية بالمطر، أصبحت عطشى.

تحليل بيت شعري – إضافة مستنتجة لتوسيع المعنى (المخبُوء):

“يا بنّ الاصدار وشبك ضاميًا وامس راويًا”

الملفت في هذا الشطر: كلمة “راويًا”، التي تضيء المفارقة بين حالتين متقابلتين في الزمان والمزاج. فالشاعر يلفت الانتباه لحالة الإنسان أو الرمز الذي يخاطبه: كيف كان بالأمس مرتاحًا و”راويًا”، واليوم بات عطشانًا و”ضاميًا”، وهذا يفتح الباب للتأمل في أحوال النفس، أو حتى في تقلبات العلاقات والرضا.

هنا يخاطب الشاعر “بنّ الاصدار”، مجسِّدًا هذا النبات رمزًا حيًّا يتقلب في حاله، ويتبدل بين الامتلاء والنقص. و”الاصدار” – كما تُعرف محليًا – هي المواقع التي تقع في صدر المرتفعات أو صدر الإقليم، وتُعدّ من أفضل المواقع لزراعة البنّ، نظرًا لاعتمادها على مياه الأمطار الموسمية، إذ إن مياه الآبار هناك، إن وُجدت، فهي شحيحة ولا يُعوّل عليها كثيرًا؛ والمعروف أن البنّ لا يُزرع إلا في المرتفعات الرطبة التي تحتفظ بماء المطر لفترة كافية. ومن هنا جاءت المفارقة الشعرية: كيف لبنّ نشأ في صدر الجبل، وارتوى من خيرات الطبيعة، أن يبدو اليوم “ضاميًا” بعد أن كان “راويًا” بالأمس؟

كلمة “راويًا” فصيحة، مشتقة من الفعل رَوِيَ، أي: شرب حتى ارتوى، وتدل على الامتلاء والاكتفاء. أما “ضاميًا” فهي من الظمأ، أي: العطش والحاجة، وهي نقيض الامتلاء.

وفي هذا الانتقال من “راويًا” إلى “ضاميًا”، يمكن توليد اشتقاق بلاغي رمزي يُطلق عليه – على سبيل النحت – “ضامرا”، ليصف حالًا وسطى: من قلّ ريّه، أو بدأ جفافه دون أن يبلغ حد الظمأ الكامل.

وقد يوحي هذا النحت بغصة عاطفية، تشبه حال من لم يبلغ العطش تمامًا، لكنه فقد طعم الارتواء، خاصة أن شعر العرضة الشعبي، -الشقر -خصوصًا، يعرف بما يسمى “المعنى المخبُوء”، وهو ما لا يُصرّح به الشاعر مباشرة، بل يلمّح إليه في صورٍ تتجاوز ظاهر المعنى اللفظي.

ومن هذا الباب، يظهر البيت محمّلًا بدلالات تتجاوز وصف حال البنّ، لتُلامس مشاعر الإنسان حين يتقلّب بين لحظة رضا، وبدء فقد بين ارتواء الأمس وغصّة اليوم.

القصيدة: وثيقة من ذاكرة الماء والتضاريس

ليست هذه القصيدة مجرد شعر، بل وثيقة من ذاكرة الماء والتضاريس. ففي تضاعيف كلماتها، نجد توصيفًا دقيقًا لتوزيع الماء في القرى الجبلية: بين السواقي التي تروي البلاد عبر الأودية، وبين الآبار التي يُعتمد عليها وقت القحط. أما الأوشال، تلك الجداول الصغيرة التي تنحدر من رؤوس الجبال بعد المطر،

فهي رمز الفرحة التي لا توصف، إذ تُغاث بها المزارع ويُبعث بها الأمل في أرض قاسية الصيف شحيحة السُقيا.

وحين يذكر الشاعر “الكادي”، فإنه لا يستحضر مجرد نبات، بل عبق الذاكرة الذي غاب، كما غاب خرير الأوشال وخصوبة البنّ، وكأنّ الأرض اختزنت صوتها في ذاكرة الصمت.

أما مفردتا “راوي” و“ضامي”، فليستا مجرد نقيضين، بل تلخيص شعري لحال الزرع والإنسان على حدّ سواء: بين امتلاء ورضا، أو بداية فقدٍ وجفاف. وقد تُفهم “راويًا” هنا في معناها الفصيح: من رَوِيَ، أي شرب حتى ارتوى، بينما “ضاميًا” من الظمأ، وهما حالتان ترمزان لاختلاف المواسم أو حتى اختلاف المشاعر.

ختامًا: مرآة الوجدان وصدى الأرض.

اجتهدتُ في هذه القراءة أن أنظر بعين النقدين، مبيّنًا ما اتكأ عليه النص من جمالٍ في التصوير وعمقٍ في المعنى، ومشيرًا إلى ما استدعته بعض المواضع من ربطٍ ببلاغة اللغة، لا لوجود خلل، بل رغبةً في الإيضاح والتأصيل، وما استحقّ التوقف أُشير إليه تأصيلاً لا تعقيبًا.

رحم الله قائلها، فقد سجّل في بيته الختامي وجع القرية حين قال:

“يا بن الإصدار وش بك ضاميًا وأمس راوي”

وكأنه يُنطق الأرض بلسان الشكوى، فيُحمّل الزرع والماء والأسى رسالةً لا يقرؤها إلا من عاش تلك الجغرافيا وأحبها.

ليست هذه القصيدة مجرد استرجاع لصور الريف، ولا مرثية لزمن مضى، بل مرآة لوجدانٍ لا يزال ساكنًا فينا رغم التحولات، وصدى لصوت الأرض إن نطقت.

وفي كل بيت من هذه الأبيات، صوت مَن عاش الأرض لا من مرّ بها، ولهذا بدت القصيدة وكأنها كُتبت بمداد التراب حين كان خصبًا، والماء حين كان يأتي، والأرض حين كانت تنبت بلا استعطاف.

وأنا، كواحدٍ من أبناء تلك البيئات التي كنا نفرح فيها بمجرى وشلٍ صغير، ونشتمّ رائحة النباتات العطرية الفوّاحة، ورائحة كل شجرةٍ مغروسةٍ تتفتّح مع بزوغ الشروق، ونشعر أن كل حجر، وكل وشلٍ انقطع في تلك الجبال يحكي قصةً حقيقية عن لحظاتٍ يبهجنا فيها المطر، ونسعد بجريانه في الشعاب كما يسعد القلب بقدوم الضيف، بهجة لا يخبو ألقها مهما امتد الزمن.

فكل شيءٍ جميل في هذه الحياة يأخذ حيزًا في الذاكرة لفترةٍ من الزمن، ثم يُطوى ويُتجاوز، إلا حبّ الأماكن وذكرياتها، فهي جزءٌ من الوطن، ومن ذاكرته الأعمق فينا؛ تبقى ساكنةً في القلب، لا يزحزحها مرور الوقت ولا تغيّرات الحياة.

وإلى لقاء آخر…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com