مقالات

لماذا نكتب؟

عدنان الدوسري (*)

لماذا نكتب؟ .. سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في جوهره أحد أكثر الأسئلة التباسًا وتعقيدًا في تاريخ الإنسان مع الكلمة ،  فكلما اقتربنا من محاولة الإجابة، اتسعت المساحة من حولنا، وتشعّبت الطرق، وتكاثرت الدوافع والاحتمالات.

هل نكتب لأننا نبحث عن خلاصٍ فردي؟ أم لأننا نريد أن نقول شيئًا للآخرين؟ أم لأننا نسعى إلى اعترافٍ نقدي يمنح ما نكتب شرعية البقاء؟ في الحقيقة، لا توجد إجابة واحدة، لأن الكتابة ليست فعلًا أحادي الدافع، بل نتيجة تراكب معقّد بين التجربة والوعي والخوف والأمل والرغبة في النجاة.

الكاتب في لحظة البدء لا يفكر غالبًا بالقارئ ولا بالناقد، بل يواجه نفسه قبل كل شيء. يواجه اضطراباته وأسئلته وذكرياته وهواجسه.

الكتابة في بدايتها فعلٌ داخلي، يشبه الاعتراف الصامت أو محاولة ترتيب الفوضى التي تضجّ في الرأس. هي نوع من الحوار السري مع الذات، أو محاولة لتثبيت شيء كان مهددًا بالضياع ؛ لذلك يكتب الإنسان أحيانًا لا ليصنع نصًا، بل لينقذ نفسه من الصمت، أو ليمنح معنى لما لا يمكن قوله شفهيًا ، غير أن العزلة التي يولد فيها النص لا تعني أبدًا غياب الآخر ، فالقارئ، حتى وهو غائب جسديًا، حاضر في اللاوعي الإبداعي.

ثمة عينٌ متخيّلة تراقب الجملة، وثمة روحٌ افتراضية ستتلقى الوجع أو الفكرة أو الفرح. ولهذا لا تبقى الكتابة حبيسة ذات كاتبها، بل تتحوّل، لحظة خروجها إلى العلن، إلى فعل تواصلي بامتياز. القارئ لا يكتفي بالتلقي، بل يعيد إنتاج النص في داخله، يحمّله تجربته، ويقرأه بذاكرته ومخاوفه وأسئلته.

وهكذا يولد نصّ جديد داخل كل قارئ، قد يشبه النص الأصلي وقد يختلف عنه تمامًا. ولا يمكن فصل الكتابة عن التجربة، فالتجربة هي مادتها الخام. ما نعيشه، وما نفقده، وما نخافه، وما نحلم به، كل ذلك يتحول، بطريقة أو بأخرى، إلى مادة للكتابة.

غير أن التجربة وحدها لا تكفي لصنع نصّ حيّ. فبين أن يعيش الكاتب حدثًا، وأن ينجح في تحويله إلى تجربة إنسانية قابلة للتداول، مسافة شاسعة تصنعها اللغة والرؤية والبناء. هنا تتدخل مهارة الكاتب في تحويل الخاص إلى عام، والألم الشخصي إلى معنى إنساني، واليومي العابر إلى لحظة قابلة للبقاء.

في المقابل، تقع كثير من الأقلام في فخّ الكتابة من أجل الاعتراف النقدي السريع. يتحول النص عند بعض الكتّاب إلى مشروع استرضاء، لا إلى مشروع صدق. الكتابة التي تُكتب وهي تترقّب التصفيق، أو تخشى الإدانة، تفقد تدريجيًا حرارتها الأولى، وتتحول إلى منتج محسوب، منضبط على مقاسات الجوائز أو الأضواء أكثر مما هو منضبط على نبض التجربة.

النقد ضرورة حيوية لأي حركة إبداعية، لكنه يجب أن يأتي بعد اكتمال التجربة لا قبلها. الناقد يضيء الزوايا، ويكشف البنية، ويقترح قراءات، لكنه لا يملك أن يكون بديلًا عن الدافع الأصلي للكتابة. ولا يمكن الحديث عن الكتابة دون التوقف عند القراءة بوصفها شرطًا تأسيسيًا. الكاتب الذي لا يقرأ، يظل يدور في مساحة لغوية محدودة، مهما امتلك من تجارب. القراءة هي التي توسّع الحسّ، وتكسر النمط، وتمنح الكاتب أدواته الفنية واللغوية. من خلال القراءة يتكوّن الوعي، وتنمو القدرة على التمييز بين الجملة الحية والجملة الميتة، وبين الإيقاع الحقيقي والزخرفة الفارغة. ومع تراكم القراءة، يتكوّن لدى الكاتب حسّ نقدي ذاتي، يجعله يراجع نصوصه، ويشكك في يقينه، ويعيد النظر في خياراته الجمالية.

ومع مرور الزمن، قد يجد الكاتب نفسه في موقع مزدوج: كاتب وناقد في آن واحد. لا بالمعنى الأكاديمي الصارم، بل بالمعنى التحليلي الذي يسمح له بتفكيك النصوص، ورؤية ما وراء السطور، وقراءة البنية لا الظاهر فقط. وهذا التحول ليس تناقضًا، بل تطور طبيعي لمسار الكتابة نفسها، لأن الكتابة العميقة تولّد بالضرورة أسئلة نقدية عميقة.

يبقى السؤال الأهم: من يمنح النص قيمته؟

الكاتب يطلق الشرارة الأولى، القارئ يمنحها الامتداد، والناقد يرسم لها إطار الفهم. لا طرف يملك الحقيقة كاملة، ولا نصّ يكتمل دون أن يمرّ بهذه الدوائر الثلاث. القيمة لا تولد من قرار فردي، بل من تفاعل جماعي بين التجربة والتلقي والتأويل. لذلك لا يمكن لأي كاتب أن يكتب وهو يدّعي امتلاك المعنى النهائي، كما لا يمكن لأي ناقد أن يحتكر القراءة.

وفي نهاية هذا الجدل الطويل، يبقى الدافع الأعمق للكتابة هو الرغبة في النجاة. نكتب كي لا تضيع تجاربنا في العتمة، كي لا يبتلعنا الصمت، كي نمنح أنفسنا فرصة أخرى لفهم ما جرى وما يجري وما سيجري. نكتب لأن اللغة، في لحظات الانكسار، تصبح آخر ما نملكه، وآخر ما ينقذنا من التلاشي. نكتب لنترك أثرًا، لا بالضرورة في التاريخ، بل في روح إنسانٍ ما، في لحظة ما، في مكان ما.

الكتابة ليست إجابة نهائية، بل سؤال مفتوح. وربما تكمن عظمتها في أنها تظل، إلى آخر العمر، سؤالًا لا ينتهي.

……….

(*) كاتب وقاص عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com