الومضة، فنّ الشرارة

صفاء الأحمد (*)
شرارة عبقرية تُلقي بالمعنى دفعة واحدة في قلب القارئ، لتشعل ألف دلالة، وكأنها تضغط عالمًا كاملًا داخل نتوء صغير من اللغة.
لا تحتاج مسرحًا ولا حبكة؛ تعتمد على ذكاء خفي يتوارى بين الكلمات، لتبقى عالقة في ذهن القارئ كسِرّ التهم الإجابات كلّها وفجّر نهرًا من الأسئلة… تلك هي الومضة.
وحين نتساءل: هل تراجع حضور الومضة في المشهد الأدبي؟
فالجواب لا يكمُن في السوق ولا في الذائقة وحدها؛ إنّه في ندرة من يستطيع التقاط الشرارة.
قد تكون كاتب قصة بارعًا، أو روائيًا متقنًا، أو شاعرًا يملك أدواته… ومع ذلك تمرّ حياتك دون أن يولد من قلمك نصّ ومضي واحد! ؛ لأن الومضة أقرب إلى الحجر النفيس.
نادرة، ووجودها مرهون بلحظة لا تتكرر كثيرًا وبموهبة حسّاسة تلتقط ما يمرّ أمام الآخرين بصمت.
حتى كتّاب الومضة أنفسهم يكتبون كثيرًا، لكن تلك اللمعة النفيسة لا تظهر إلا في نصوص قليلة، تبقى متفرّدة كشيء نادر.
الومضة ليست فنًّا صغيرًا ولا كتابة سهلة، لا يتقنها إلا من يخلط البصيرة بالحدس، ويقول الكثير دون أن يرفع صوته.
فنّ قائم على التكثيف الوجودي، وتحويل التجربة البشرية كلها إلى فتيل لشرارة واحدة.
ومن أشهر أمثلتها المنسوبة لإرنست همنغواي: “للبيع: حذاء طفل… لم يُلبس قط.” ومضة تختصر حياة كاملة في ست كلمات.
ولهذا فإن تراجع الومضة ليس إلّا دليلًا على حساسية هذا الفنّ؛ كتابة لا تزدهر إلا حين يظهر من يستطيع التقاط اللحظة قبل أن تنطفئ. والندرة وحدها كافية لرفع القيمة.
إنّها فنّ بديع، مقرون بالالتقاط لا بالقدرة، وبالشرارة لا بالحكاية ، ولهذا ستظل دائمًا مساحة صغيرة بحجم جملة… لكن بقوة عالم كامل.
…….
(*) قاصة وروائية أردنية



